عنوان المقال/ / تأملات أخلاقية – الإحسان: القسم الحادي عشر:- - -
عنوان المقال/ / تأملات أخلاقية – الإحسان: القسم الحادي عشر:- - - مقالات

عنوان المقال/ / تأملات أخلاقية – الإحسان: القسم الحادي عشر:- - -

أعوذُ بالله السميع العليم
من الشيطان اللعين الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
تأملات أخلاقية – الإحسان: القسم الحادي عشر:- - -
قال تعالى { لَیۡسَ عَلَى ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحࣱ فِیمَا طَعِمُوۤا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّ أَحۡسَنُوا۟ وَ ٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ } [ المائدة93]
*المباحث الموضوعية:
المبحث الموضوعي للآية الكريمة يتمحور حول براءة ذمة المؤمنين الصادقين الذين التزموا التقوى والإيمان والعمل الصالح من "الجناح" (الإثم) في الأطعمة والأشربة التي تناولوها قبل تحريمها، مع التركيز على تكامل الإيمان مع العمل والتقوى و التقوى مع الإحسان، لتعزيز محبة الله، مع تأكيد دورها في تبرئة أهل البيت.
=أبرز النقاط الموضوعية عن أهل البيت (ع) في الآية:
.سبب النزول: روي أن هذه الآية نزلت لتبرئة أصحاب النبي (ص) وأهل بيته (ع) من أي إثم في شرب الخمر قبل التحريم، أو لتبرئة الذين ماتوا قبل التحريم كـ عثمان بن مظعون، حيث أكد النبي (ص) لأهل بيته وأصحابه "أنت منهم".
.تنزيه أهل البيت (ع): الآية تشير إلى علي بن أبي طالب (ع)، الذي علّق على الآية بأنها تبرئهم لأنهم لا يأكلون ولا يشربون إلا ما أحله الله، وأنها تتحدث عن مرحلة ما قبل تحريم الخمر.
.التدرج في الإيمان والتقوى: تكرار التقوى والإيمان يبرز الارتقاء في درجات الكمال، وهو ما يجسده أهل البيت (ع) في أعلى مراتبه، حيث أتبعوا الإيمان بالعمل، والعمل بالتقوى، ثم التقوى بالإحسان الشامل.
و تُشير الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) في تفسير هذه الآية إلى أبعاد عقائدية وتربوية عميقة، تتلخص في النقاط التالية:
١. نزولها في أصحاب السبق والفضل
تؤكد المصادر التفسيرية (مثل تفسير القمي ومجمع البيان) أن الآية نزلت لطمأنة المسلمين على إخوانهم الذين ماتوا قبل تحريم الخمر والميسر. وفي مدرسة أهل البيت، يُشار إلى أن كبار الصحابة المؤمنين كـ حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب وغيرهم، لم يكن عليهم جناح فيما طعموه قبل التحريم لأنهم كانوا على درجة عالية من التقوى والإيمان.
٢. مراتب التقوى والإيمان
يُفسر أهل البيت تكرار (اتقوا وآمنوا) في الآية على أنه إشارة إلى الترقي في مراتب الكمال:
-المرتبة الأولى: التقوى من الشرك والإيمان بالله.
-المرتبة الثانية: التقوى من الكبائر والالتزام بالواجبات (العمل الصالح).
-المرتبة الثالثة: الوصول إلى مقام الإحسان، وهو اليقين ومراقبة الله وكأن العبد يراه، وهو أعلى المقامات التي يُحبها الله.
٣. الربط بـ "الولاية"
في بعض الأحاديث المروية عن الإمام الصادق (ع)، يتم ربط "الإيمان" و"التقوى" المذكورين في الآية بالثبات على الولاية. فالمؤمن الذي يعمل الصالحات ويتمسك بولاية أهل البيت لا يضره ما طعمه من الحلال، ولا يُحاسب على ما فات قبل بلوغ التكليف أو التحريم، طالما أنه انتهى عند وصول الأمر الإلهي.
٤. مفهوم "الطعم" المعنوي
هناك إشارات عرفية في كلماتهم تلمح إلى أن "ما طعموا" قد لا يقتصر على الأكل والشرب فحسب، بل يشمل العلوم والمعارف؛ فمن اتقى وآمن، طهر قلبه ليتذوق حقيقة الإيمان، فلا يضره ما استقاه من علم إذا كان قائده فيه التقوى والإحسان.
=الـخـلاصـة:
الآية تؤكد أن محبة الله للمحسنين هي الدرجة العليا، وأن الذين استحقوا هذه الصفة (كأهل البيت) هم آمنون من الجناح.
*المباحث الأخلاقية:
تتمحور الآية الكريمة حول التدرج في التشريع، ورفع الحرج عن السابقين، وربط المغفرة بصدق التقوى. من منظور أهل البيت (عليهم السلام)، تُبرز الآية أن "الطعم" (شرب الخمر) قبل التحريم لا إثم فيه، بشرط الاقتران بالإيمان والعمل الصالح، والتقوى المتمثلة في اجتناب المحرمات، ثم الشبهات، والوصول لمرتبة الإحسان.
=المبحث الأخلاقي عند أهل البيت (ع) للآية:
التقوى ثلاث مراتب: فسرها بعض أهل البيت بأنها:
1) التقوى باجتناب المحرمات،
(2) الثبات على الإيمان والعمل الصالح،
(3) التقوى بالإحسان والورع عن الشبهات.
.التزكية والتعظيم: الآية ترفع الحرج عن المؤمنين الذين شربوا الخمر قبل تحريمها، وتؤكد على قبول توبتهم وإيمانهم، وتزكي حالهم.
.عظمة الإحسان: تُظهر الآية أن "الإحسان" (المرتبة العليا) هي أعلى درجات التقوى، وبها ينال العبد محبة الله (والله يحب المحسنين).
.التسليم للتشريع: الآية تدل على ضرورة التسليم الكامل لأوامر الله والتقوى بعد نزول التحريم، وعدم الالتفاف على الأحكام.
=روايات أهل البيت:
يُروى أن هذه الآية نزلت في حق من شرب الخمر قبل تحريمها، وأقرّ النبي (ص) بأنهم من أهل الإيمان، بينما شدد الإمام علي (ع) على ضرورة اجتناب الشبهات والورع لتعزيز التقوى. و تُقدم هذه الآية الكريمة في مدرسة أهل البيت (ع) رؤية أخلاقية عميقة لمفهوم التدرج الروحي والارتقاء الإيماني. المبحث الأخلاقي, و هنا لا يقتصر على نفي الإثم عما أُكل قبل التحريم، بل يرسم خارطة طريق للكمال الإنساني.
إليك أبرز ملامح هذا المبحث من منظورهم:
1. مراتب التقوى الثلاث (التكامل الأخلاقي)
تكرار "التقوى" و"الإيمان" في الآية ليس تكراراً لفظياً، بل يشير إلى مراتب تصاعدية:
.المرتبة الأولى (الإسلام الظاهري): وهي تقوى العقل والالتزام بالواجبات وترك المحرمات الظاهرة (كاجتناب الخمر بعد تحريمها).
.المرتبة الثانية (الإيمان الراسخ): وهي تقوى القلب، حيث يستقر الإيمان وتصبح الطاعة نابعة من يقين ومداومة، وهي مرتبة "المؤمنين" الذين يسعون لتزكية أنفسهم.
.المرتبة الثالثة (مقام الإحسان): وهي أعلى المراتب، وتتمثل في تقوى السر، حيث يعبد العبد ربه كأنه يراه، ويتحول السلوك الأخلاقي إلى "إحسان" شامل للنفس وللآخرين.
2. فلسفة التدرج في التزكية
تُعلمنا الآية أن الأخلاق ليست حالة جامدة، بل هي سير وحركة. تكرار "ثم" يفيد التراخي الرتبي؛ أي أن الإنسان يحتاج إلى زمن ومجاهدة للانتقال من مجرد "ترك المعصية" إلى "عشق الكمال" (الإحسان).
3. الارتباط بين "الطعام" و"الروح"
تُشير الآية إلى أن المباحات (ما طعموا) لا تضر بصاحبها إذا اقترنت بالتقوى. وفي مدرسة أهل البيت، هناك تأكيد كبير على أن اللقمة الحلال هي وقود العمل الصالح. فالآية ترفع الجناح (الإثم) عمن اتقى، مما يوحي بأن "التقوى" هي الميزان الذي يجعل من الفعل المادي (الأكل) فعلاً عبادياً وأخلاقياً.
4. الإحسان هو الغاية العظمى
تختم الآية بـ "وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ". المبحث الأخلاقي هنا يؤكد أن نهاية رحلة التقوى ليست فقط النجاة من النار، بل الفوز بـ "محبة الله". الإحسان في فكر أهل البيت هو أن يتجاوز الإنسان حدود العدل (أداء ما عليه) إلى الفضل (بذل ما ليس واجباً عليه حباً في الله).
=الـخـلاصـة:
الآية هي بيان لمنهج "التربية التصاعدية"، حيث يبدأ المرء بضبط جوارحه (التقوى الأولى)، ثم تعميق إيمانه (التقوى الثانية)، لينتهي بصبغ حياته كلها بصبغة الجمال الإلهي (الإحسان). أسال الله سبحانه و تعالى أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبعُ أحسنه إنه سميعٌ مجيب الدعاء أقول قولي و أستغفر الله لي و للمؤمنين و المؤمنات و الحمد لله رب العالمين و صلى اللهُ على خير الخلق أجمعين محمدٍ و آلهِ الطاهرين
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب
د. عبد الجليل البصري
الجمعة27شعبان1447هــ
الموافق16/شباط/2026مــ