عنوان المقال / تأملات أخلاقية – الإحسان: القسم السادس: -
أعوذُ بالله السميع العليم
من الشيطان اللعين الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
تأملات أخلاقية – الإحسان: القسم السادس: -
قال تعالى { لَّا جُنَاحَ عَلَیۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُوا۟ لَهُنَّ فَرِیضَةࣰۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَـٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِینَ }[ البقرة236 ]
*المباحث الموضوعية
تتناول هذه الآية الكريمة جوانب تشريعية وأخلاقية دقيقة تنظم العلاقة الزوجية في حالة الانفصال قبل الدخول، وهي ترسي مبادئ العدالة والتراحم حتى في لحظات الفراق.
.إليك المباحث الموضوعية لهذه الآية:
1. أحكام الطلاق قبل المسيس (الدخول)
تبين الآية مشروعية الطلاق قبل حدوث العلاقة الزوجية وقبل تحديد المهر ("الفريضة").
.رفع الحرج: قوله تعالى {لَّا جُنَاحَ عَلَیۡكُمۡ} ينفي الإثم أو الحرج الشرعي عن الزوج إذا رأى ضرورة للطلاق في هذه المرحلة المبكرة.
.الحالات المشمولة: تتحدث الآية عن المرأة التي طُلقت ولم تُمس (أي لم يحصل دخول) ولم يُسمَّ لها مهر محدد عند عقد النكاح.
2. وجوب "المتعة" للمطلقة
بما أن المطلقة في هذه الحالة لا تستحق مهراً (لعدم تسميته وعدم الدخول)، أوجب الشرع لها تعويضاً معنوياً ومادياً يسمى "المتعة".
.الحكمة منها: جبر خاطر المرأة وتخفيف ألم الفراق ووحشة الطلاق، وإعانتها على مؤونة الحياة بعد الانفصال.
.التكييف الفقهي: ذهب كثير من العلماء إلى وجوب هذه المتعة في هذه الحالة المحددة (عدم المسيس وعدم فرض المهر).
3. مراعاة القدرة المالية للزوج (العدالة الاقتصادية)
لم يحدد الشرع مبلغاً ثابتاً للمتعة، بل ربطها بالاستطاعة المالية للرجل، مما يجسد واقعية التشريع الإسلامي:
.المُوسِع (الغني): عليه أن يعطي بما يتناسب مع سعته وغناه.
.المُقْتِر (الفقير): عليه أن يعطي قدر استطاعته، ولا يُكلف ما لا يطيق.
.المعيار: هو {بِٱلۡمَعۡرُوفِ}؛ أي بما تعارف عليه الناس من كرم ودون إجحاف بالرجل أو إهانة للمرأة.
4. التربية على الإحسان
ختمت الآية بقوله تعالى {حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِینَ}، وفي هذا دلالات تربوية عميقة:
الطلاق لا يعني الخصومة، بل يجب أن يظل مغلفاً بالإحسان.
ربط أداء الحقوق بصفة "الإحسان" يحفز المؤمن على العطاء بطيب نفس وليس كأنه غرامة ثقيلة.
الإشارة إلى أن هذه الأحكام لا يلتزم بها حق الالتزام إلا من استقرت في قلبه مراقبة الله وحب الفضل. و تتناول الآية أحكام الطلاق قبل الدخول وقبل تسمية المهر، مبينة إباحة هذا النوع من الطلاق (لا جناح)، ووجوب متعة المطلقة (متاعاً بالمعروف) بناءً على القدرة المالية للرجل (موسِع/مقتِر)، مع اعتبار ذلك من مكارم الأخلاق (حقاً على المحسنين).
.المباحث الموضوعية للآية:
.إباحة الطلاق قبل المسيس: الآية تنفي الجناح (الوزر أو الإثم) عن .تطليق النساء في حالتين: قبل الجماع (المسيس)، وقبل فرض المهر (تسمية المهر).
.مشروعية المتعة للمطلقة: تأمر الآية بتمتيع المطلقة (إعطاؤها متعة/هدية طلاق) التي لم يُفرض لها مهر ولم يُمسسها، وهو "متاعاً بالمعروف".
.تقدير المتعة بحسب القدرة المالية: يجب أن تكون المتعة متناسبة مع حال الزوج، فالغني (الموسِع) عليه قدره، والفقير (المقتِر) عليه قدره، وهذا من العدل.
المتعة حق من حقوق الله على المحسنين: وصفت الآية هذه المتعة بأنها حق واجب، لكنها أضافت "على المحسنين" للإشارة إلى أنها تفضل إحساني من الزوج، وتدل على الندب في بعض الحالات أو الوجوب الشرعي في حالات أخرى.
جواز التزوج بلا تسمية مهر: يُستنبط من الآية جواز عقد النكاح دون تحديد مهر (تسمية المهر) عند العقد
=الخلاصة: تتناول الآية
أحكام طلاق الزوجة قبل الدخول (المسيس) وقبل فرض المهر (التسمية)، مؤصلةً لقواعد الإنصاف والمودة. تبيح الآية الطلاق في هذه الحالة دون إثم (لا جناح)، وتوجب إعطاء المطلقة "متعة" (هدية أو مبلغ) تطييباً لخاطرها، مع مراعاة الحالة المالية للزوج (موسع/غني، أو مقتر/فقير) "متاعاً بالمعروف"، وتؤكد أن هذا الحق واجب على المسلمين المحسنين. الآية تشرع جبر خاطر المطلقة قبل الدخول بالمتعة، وتراعي أحوال الزوجين المالية، وتؤكد على روح الإحسان في التعامل عند الانفصال.
.حكم الطلاق قبل المسيس وفرض المهر: لا جناح ولا إثم على الزوج في تطليق زوجته قبل الدخول وقبل تسمية المهر.
.مشروعية "المتعة": يجب على الزوج في هذه الحالة -وغيرها- إعطاء المطلقة متعة (هدية/مال) مقابل الطلاق، تطييباً لقلبها وجبراً لخاطرها.
.تقدير المتعة (المعروف): لا توجد قيمة محددة للمتعة، بل تُقدر حسب قدرة الزوج المالية (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره)، مع مراعاة العرف (بالمعروف).
.التكليف الإلهي (الإحسان): أُطلق على هذا الإجراء وصف "المتاع بالمعروف" بوصفه حقاً واجباً على الزوج ("حقا")، وتكليفاً للمؤمنين بفعل "الإحسان" وتجنب الضرر.
.الإشارة إلى عقد النكاح بدون تسمية مهر: الآية تدل ضمناً على صحة العقد حتى لو لم يُحدد المهر (عقد النكاح دون تسمية مهر)، حيث يتم تقدير "المتعة" كبديل للمهر في هذه الحالة.
*المباحث الأخلاقية: -
تحمل هذه الآية الكريمة في طياتها توجيهات أخلاقية سامية، أكد عليها أهل البيت (عليهم السلام) في تفاسيرهم (مثل تفسير الميزان ومجمع البيان)، لضمان كرامة المرأة حتى في أصعب لحظات الفراق:
1. مراعاة الجانب النفسي (جبر الخواطر)
الآية ترفع "الجناح" عن الطلاق قبل المساس، لكنها لا تترك المرأة دون تعويض معنوي ومادي؛ فالمتعة هنا هي هدية لجبر خاطر المطلقة وتخفيف أثر الصدمة النفسية الناتجة عن فسخ العقد قبل إتمامه.
2. الإنصاف المادي الواقعي (المعروف)
أكدت الروايات عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) أن "المتاع بالمعروف" يعني تقدير الهدية بحسب القدرة المالية للرجل:
الموسع (الغني): يُطالب بتقديم ما يليق بسعته (مثل خادم أو دابة أو ثوب غالي).
المقتر (الفقير): يُطالب بما تيسر له (مثل دراهم أو ثياب بسيطة).
هذا يعكس مبدأ الواقعية الأخلاقية؛ فلا يُكلف الله نفساً إلا وسعها، ولا يُهدر حق المرأة.
3. ربط الأخلاق بالإيمان (حقاً على المحسنين)
وصف الله تعالى هذا الفعل بأنه حق على "المحسنين"؛ وفي ذلك إشارة من مدرسة أهل البيت إلى أن الالتزام بهذه التعويضات ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو من صفات الإحسان والتقوى التي ترفع درجة المؤمن عند ربه.
4. تحريم الإضرار (لا جناح)
يشير التعبير بـ "لا جناح" إلى أن الطلاق وإن كان مبغوضاً، إلا أنه مباح عند الضرورة، بشرط ألا يكون وسيلة لـ "العضل" أو الإضرار بالمرأة، بل يجب أن يكون الفراق بـ "إحسان" كما كان الإمساك بـ "معروف". و تتضمن الآية مبادئ أخلاقية رفيعة في التعامل مع الزوجة عند الفراق، مؤكدة على جبر خاطرها بـ"المتعة" (هدية الطلاق) حتى لو لم يدخل بها ولم يفرض لها مهراً، وذلك تعزيزاً للكرامة الإنسانية، و تطييباً للنفس، وإحساناً، وتأكيداً على أن الطلاق يجب أن يكون بـ"المعروف".
=دلائل الأخلاقية للآية الكريمة:
.جبر خاطر المطلقة (المتعة): الآية تأمر بـ {وَمَتِّعُوهُنَّ}، وهو إعطاء المرأة شيئاً من المال أو المتاع عند طلاقها لتطييب نفسها وتخفيف ألم الفراق عنها، وهو مستحب عند الكثير، وقيل واجب (خاصة في الحالة المذكورة)، وهو مبدأ أخلاقي للمواساة.
.المراعاة المالية (التيسير): {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ}، يراعي التشريع القرآني الحالة الاقتصادية للرجل، فلا يكلفه فوق طاقته، مما يرسخ مبدأ العدالة الاجتماعية والمسؤولية المالية المتوازنة، بتقديم {مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ}.
.المعروف في الفراق: {بِالْمَعْرُوفِ} تعني أن يكون الطلاق راقياً، بلا نزاع ولا شقاق، وبأدب رفيع، مع استمرار حفظ كرامة المرأة وسمعتها.
.الإحسان فوق العدل: {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ}، رفع الله المرتبة من مجرد الالتزام بالواجب إلى مقام "الإحسان"، وهو أعلى درجات التعامل الأخلاقي، بحيث يتفضل الزوج على طليقته بأكثر مما يجب عليه شرعاً.
.ترسيخ الكرامة (قبل المسيس): حتى وإن لم يحصل دخول (مسيس) ولم يفرض مهر، لا تخرج المرأة خالية الوفاض، بل بمتعة، مما يرسخ أن كرامة المرأة مصونة في كل مراحل الزواج والطلاق.
عن أهل البيت (ع)، يتم التركيز في مثل هذه الآيات على التراحم والتعاطف، حتى في أحلك ظروف الانفصال، وأن إحسان الرجل لزوجته يظهر بوضوح في طريقة فراقه لها.
=الخلاصة:
تُعد هذه الآية الكريمة دستوراً أخلاقياً رفيعاً ينظم العلاقات الإنسانية حتى في أحلك لحظات الانفصال (الطلاق). فهي ترسم صورة للمسلم الذي يتجاوز "الحق القانوني" ليصل إلى "الفضل الأخلاقي".
إليك أهم النقاط المباحث الأخلاقية في هذه الآية:
1. أدب الفراق وسماحة النفس
تبدأ الآية برفع "الجناد" (الإثم)، لتبين أن الطلاق -وإن كان مرّاً- هو مخرج شرعي لا ينبغي أن يصاحبه شعور بالذنب أو تبادل للاتهامات. القيمة الأخلاقية هنا هي الواقعية الأخلاقية؛ أي التعامل مع إنهاء العلاقات بروح سمحة لا تشفي فيها ولا انتقام.
2. خلق "المتاع" وجبر الخواطر
أمرت الآية بتقديم "المتعة" (وهي مال أو هدية تعطى للمطلقة قبل .الدخول). والمقصود الأخلاقي منها:
.جبر الخاطر: تطييب نفس المرأة التي كُسر قلبها بالطلاق قبل تمام الزواج.
.إزالة الوحشة: تحويل ذكرى الانفصال من "صدمة" إلى "إحسان"، مما يمنع الحقد والضغينة.
3. الواقعية والإنصاف (مراعاة القدرة المالية)
فرقت الآية في التقدير بين "المُوسع" (الغني) و"المقتر" (الفقير).
العدل الاجتماعي: لا يُكلف الفقير ما لا يطيق، ولا يَبخل الغني بما آتاه الله.
.عزة النفس: الأخلاق الإسلامية لا تضغط على الطرف الأضعف مادياً لمجرد "العناد"، بل تجعل المعيار هو الاستطاعة.
4. قيمة "المعروف" كمعيار أخلاقي
استخدام لفظ "بالمعروف" يعني الاحتكام إلى العرف السائد، وما ترتضيه النفوس الكريمة، والعقول السليمة. إنها دعوة لعدم التمسك بحرفية النصوص الجافة، بل بروح الكرم والمروءة.
5. الارتقاء من درجة "الواجب" إلى درجة "الإحسان"
ختمت الآية بقوله تعالى: {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ}.
الآية لم تخاطب "المسلمين" فقط، بل خصت "المحسنين"؛ لتشعر الزوج أن دفع هذا المال ليس مجرد "غرامة"، بل هو بوابة للدخول في زمرة أهل الإحسان.
الإحسان هو أعلى مراتب الأخلاق، وهو أن تعطي أكثر مما عليك، وتأخذ أقل مما لك.
= الخلاصة التربوية:
الآية تعلمنا أن "النهايات أخلاق"، وأن الانفصال لا يعني إعلان الحرب، بل هو فرصة لتطبيق قيم الكرم، والجود، وجبر الخواطر، ومراقبة الله في السر والعلن. تؤصل الآية الكريمة لمنظومة أخلاقية رفيعة في إنهاء العلاقة الزوجية (الطلاق قبل الدخول) برفع الحرج مع وجوب جبر خاطر .المرأة، وتتمثل في: المبادرة بـالمتعة (التعويض المالي) للمطلقة، وتناسب هذه المتعة مع القدرة المالية للرجل (موسِع/مُقتِر)، والالتزام بـالمعروف والإنصاف، مما يجعل الطلاق حكماً مرتبطاً بـالإحسان وليس مجرد فسخ عقدي. رفع الحرج مع جبر الخاطر: الآية تبين أنه لا إثم في طلاق لم يتم فيه دخول أو فرض مهر، ولكن أخلاقياً لا بد من "المتعة" (هدية أو مال) لتطييب خاطر المرأة.
.العدل ومراعاة القدرة المالية: إيجاب المتعة "على الموسع قدره وعلى المقتر قدره" يُكرّس قيمة العدل، فلا يُكلف الله نفساً إلا وسعها، مع مراعاة حالة الزوج.
.المعاشرة والمفارقة بالمعروف: التأكيد على "متاعاً بالمعروف" يعني أن الإنهاء يجب أن يكون راقياً، دون ضغينة أو بخل، امتداداً للمعاشرة بالمعروف. ثقافة الإحسان لا مجرد الحقوق: ختمت الآية بقوله "حقاً على المحسنين"، مما ينقل العلاقة من مجرد أداء الواجب القانوني إلى مرتبة الإحسان، حيث يتعامل الزوج مع المطلقة بأعلى درجات المروءة والفضل. "اللهم اجعلنا من المحسنين الذين قلت فيهم: 'إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ'، اللهم آتِ نفوسنا تقواها وزكّها أنت خير من زكاها، واجعلنا ممن يعبدك كأنه يراك، فإن لم نكن نراك فإنك ترانا. و الحمد لله رب العالمين و صلى الله نبيه محمد و آلهِ الطاهرين و صحبهِ المنتجبين
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب/ د. عبد الجليل البصري
الثلاثاء15شعبان1447هــ
الموافق4/2/2026مــ