عنوان المقال/ تأملات رمضانية- في الآيات القرآنية 5
تأملات رمضانية- في الآيات القرآنية 5
أعوذ بالله من الشيطان الغوي اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله لم يزل عليّا ، ولم يزل في علاه سميّا ، قطرة من بحر جوده تملأ الأرض ريّا ، نظرة من عين رضاه تجعل الكافر وليّا ،الجنة لمن أطاعه ولو كان عبدًا حبشيًا و النار لمن عصاه ولو شريفًا قرشيًا ، أنزل على نبيه ومصطفاه قولاً بهيًا] تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً, ثم الصلاة و السلام على المبعوث رحمةً للأنام محمد عليه أفضل الصلاة و أتم السلام و آله خزان علمه و تراجمة وحيه و على صحبه المنتجبين و مَن تبعهم بإحسانٍ الى يوم الدين.
قال تعالى{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }[البقرة187]
*الدلائل الأخلاقية للآية الكريمة:
تتضمن الآية المباركة دلائل أخلاقية رفيعة تشير إليها مرويات أهل البيت (ع) والتفاسير المأثورة، أبرزها: إقرار مبدأ التيسير ورفع الحرج (الرخصة) رحمةً بالعباد، وتأكيد المودة والمساواة بين الزوجين بوصفهما "لباساً" متبادلاً. كما تبرز الآية قيمة التوبة من "اختيان النفس" وامتثال حدود الله بوعي وتقوى.
الدلائل الأخلاقية للآية الكريمة:
رحمة الله والتيسير: الآية تُظهر رأفة الله بالعباد، حيث نقلتهم من التضييق (الذي كان في بداية فرض الصيام) إلى التوسعة والرفق في أحكام ليلة الصيام، وهو ما يُعد قاعدة أخلاقية في التشريع الإسلامي "يريد الله بكم اليسر".
علاقة المودة والمساواة (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن): التعبير القرآني يجسد أسمى صور العلاقة الزوجية، حيث يستر كل طرف الآخر ويحميه، مما يرسخ قيم السكن، الستر، والمساواة في العاطفة والكرامة.
إعطاء النفس حقها: الإذن بالرفث (الجماع) والأكل والشرب ليلًا يمثل حكمة إلهية في تلبية احتياجات الإنسان الجسدية والنفسية، دون إفراط أو تفريط، موازنةً بين متطلبات الروح والجسد.
الانضباط الذاتي والتقوى (حدود الله): رغم الإباحة، وضعت الآية حدوداً دقيقة (إلى الفجر، ولا تباشروهن وأنتم عاكفون)، مما يربي المؤمن على الالتزام بالأخلاق والتقوى في أحلك الظروف.
التوبة والرحمة: إشارة الله إلى "اختيان النفس" ثم قوله "فتاب عليكم وعفا عنكم" تفتح باب الأمل وتؤكد أن الله يغفر الزلات الناشئة عن ضعف الإنسان، رحمةً منه بعباده.
وعن أهل البيت (ع)، يُستفاد من الآية أن المعاشرة الزوجية في ليل رمضان ليست مجرد ممارسة جسدية، بل هي "ابتغاء ما كتب الله" من إعفاف النفس والسعي للنسل الصالح، ضمن الحدود التي رسمها الله، والالتزام بآداب الاعتكاف والعبادة. و تحمل هذه الآية الكريمة مضامين أخلاقية واجتماعية عميقة، وقد استنبط أهل البيت (ع) من ثناياها معانيَ ترسي أسس المودة، الرحمة، والواقعية في التعامل مع النفس البشرية.
إليك أبرز الدلائل الأخلاقية المستوحاة من الآية المباركة وفق مدرسة أهل البيت (ع):
1. مفهوم "اللباس": التستر، الزينة، والاحتواء
وصف الله العلاقة بين الزوجين بقوله: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}. هذا التعبير يمثل قمة الأخلاق الزوجية:
..الستر المتبادل: كما يستر اللباس بدن الإنسان، فعلى الزوجين ستر عيوب بعضهما البعض أمام الناس.
القرب والاتصال: اللباس هو أقرب شيء لجسد الإنسان، مما يرمز إلى خصوصية العلاقة وشدة الامتزاج العاطفي.
..الوقاية: الزوج يحمي زوجته وهي تحميه من الوقوع في الحرام (العفاف).
2. الواقعية والرحمة الإلهية (التوبة والعفو)
تشير الآية {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} إلى خلق إلهي عظيم وهو المراعاة:
..الاعتراف بالضعف البشري: الدين الإسلامي ليس دين رهبانية مستحيلة، بل هو دين يراعي احتياجات الإنسان.
..فتح باب الأمل: عندما شقّ الأمر على بعض الصحابة في بداية التشريع، لم يواجههم الله بالتعنيف الدائم، بل بالنسخ والتيسير والعفو، وهو درس أخلاقي في "المرونة" والرحمة عند القيادة والإرشاد.
3. أدب "الكناية" والسمو اللفظي
استخدمت الآية كلمات مثل (الرفث، المباشرة) وهي ألفاظ تدل على العلاقة الخاصة لكن بلغة رفيعة:
يعلمنا أهل البيت (ع) من خلال هذه الآية أدب التخاطب؛ فالمؤمن يعبّر عن القضايا الحساسة بكلمات كريمة لا تخدش الحياء، وهو ما يُعرف بـ "عفة اللسان".
4. التوازن بين الروح والمادة
الآية تدمج بين إباحة الطيبات (أكل، شرب، علاقة زوجية) وبين العبادة (الصيام، الاعتكاف):
..المنهج الأخلاقي: الأخلاق في الإسلام ليست انقطاعاً عن الحياة، بل هي تنظيم للحياة. المؤمن يتقرب إلى الله بترك هذه الشهوات نهاراً، ويتقرب إليه بشكرها واستعمالها في الحلال ليلاً.
5. تقديس "الحدود" والرقابة الذاتية
..ختمت الآية بقوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا}:
الورع: تشير مدرسة أهل البيت (ع) إلى أن الأخلاق الحقيقية تظهر عند "الحدود". التقوى ليست فقط في أداء الواجب، بل في الوقوف عند الخطوط الحمراء التي تحفظ توازن المجتمع وحقوق الخالق.
=الــخــلاصــة:-
تتمحور المباحث الأخلاقية والتربوية في الآية الكريمة (سورة البقرة: 187) حول التيسير الإلهي، ورفع الحرج عن المؤمنين، وتعزيز المودة الزوجية، وضبط النفس (التقوى). تُبرز الآية رحمة الله بعباده من خلال إباحة الرفث والأكل ليلاً بعد أن كان محرماً، مؤكدة على سكن النفس بين الزوجين، والتحذير من تجاوز حدود الله.
=-خلاصة المباحث الأخلاقية:
.التيسير ورفع الحرج: أظهرت الآية رحمة الله ورحمته بعباده، حيث نسخت التحريم السابق (المباشرة والأكل بعد النوم في رمضان) بالتيسير.
.علاقة المودة والسكن: وصف الزوجين بـ "اللباس" (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) يُعد أعلى تصوير أخلاقي للعلاقة الزوجية القائمة على الستر، الحماية، السكن، والمودة، ونفي النظرة الشهوانية البحتة.
.أدب النفس والاعتراف بالخطأ: الإشارة إلى "تختانون أنفسكم" (الخيانة هنا بمعنى معصية النفس) ثم "فتاب عليكم" تُعلم المؤمنين سرعة العودة إلى الله والاعتراف بالخطأ وتلقي التوبة الأخلاقية.
.التقوى والالتزام بالحدود: تُختم الآية بـ "تلك حدود الله فلا تقربوها.. لعلهم يتقون"، وهي دعوة أخلاقية لضبط النفس، والوقوف عند حدود الله في الصيام وغيره، مما يثمر تربية النفس على التقوى.
.التوازن بين الحقوق والواجبات: الموازنة بين الحق في التمتع (الرفث والأكل ليلاً) والواجب في الالتزام (إتمام الصيام، منع الرفث حال الاعتكاف). و تُعد هذه الآية المباركة من المرتكزات القرآنية التي تُؤصل للعلاقة الأخلاقية بين الزوجين، وفي مدرسة أهل البيت (ع)، نجد أن التفسير يتجاوز البعد الفقهي (الحلال والحرام) ليدخل في عمق الأخلاق النفسية والاجتماعية.
>إليك خلاصة المباحث الأخلاقية المستفادة من الآية وفق رؤية مدرسة أهل البيت (ع):
1. فلسفة "اللباس": الستر والمساواة والاندماج
وصف الله الزوجين بقوله: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}، وهذا التعبير يحمل أبعاداً أخلاقية عميقة:
.الستر المتبادل: كما يستر اللباس بدن الإنسان، يجب أن يكون كل من الزوجين ستراً للآخر، يحفظ أسراره، ويغطي عيوبه، ويصون كرامته أمام الناس.
.الوقاية والقرب: اللباس هو أقرب الأشياء لجسد الإنسان؛ لذا فالآية تؤسس لأعلى درجات القرب النفسي والمودة، حيث لا ينبغي أن يكون هناك "حاجز" معنوي بين الزوجين.
.التجميل والكمال: اللباس يُجمل الإنسان، وبموجب الآية، كل طرف هو "جمال" للآخر ومكمل لنقصه.
2. الصدق مع النفس ومبدأ التوبة (الرحمة الإلهية)
تشير الآية إلى حالة نفسية: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ}:
الاعتراف بالضعف البشري: الأخلاق القرآنية لا تفترض "المثالية المستحيلة"، بل تعترف بضعف الإنسان أمام شهواته في بدايات تشريع الصيام.
.فتح باب الأمل: قوله {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} يعلمنا خلق "التجاوز"؛ فإذا كان الخالق يعفو عن "خيانة النفس" بالتجاوز، فمن الأحرى بالبشر أن يتراحموا فيما بينهم.
3. القصدية في العلاقة (ابتغاء ما كتب الله)
.قوله تعالى: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}:
يشير أئمة أهل البيت (ع) في رواياتهم إلى أن الهدف من العلاقة الزوجية ليس مجرد اللذة الحسية، بل هو طلب الولد الصالح وبقاء النسل، وهو توجه أخلاقي يجعل الغريزة وسيلة لهدف أسمى وعبادة لله.
4. فقه "الحدود" والرقابة الذاتية
.ختمت الآية بقوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا}:
الوقاية قبل الوقوع: لم يقل "لا تعتدوها" بل قال "لا تقربوها"، وهذا تعليم أخلاقي بضرورة وضع مناطق عازلة (ورع) بين الإنسان وبين المعصية، لضمان عدم السقوط فيها.
.التقوى كغاية نهائية: الغرض من كل هذه التشريعات (الأكل، الشرب، العلاقة الزوجية) هو الوصول إلى ملكة التقوى (لعلهم يتقون)، وهي قمة الهرم الأخلاقي.
5. التوازن بين الروح والمادة
الآية تدمج بين إباحة الطيبات (أكل، شرب، زواج) وبين العبادة المحضة (الصيام، الاعتكاف):
الاعتدال: الإسلام لا يدعو للرهبانية المطلقة، بل يهذب الغريزة. الأخلاق هنا هي قدرة الإنسان على "الإمساك" (الصيام) في وقت، و"الانبساط" في وقت آخر، مما ينمي الإرادة القوية.
>باختصار:
فالآية في مدرسة أهل البيت (ع) تنقل العلاقة الزوجية من دائرة "الحاجة البيولوجية" إلى دائرة "القداسة الأخلاقية" (اللباس)، وتؤكد أن كمال الصيام ليس في الجوع والعطش، بل في بلوغ رتبة التقوى التي تحكم سلوك الإنسان في سره وعلنه.
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب
د. عبد الجليل البصري
10رمضان1447هــ
28 / 2 / 2026مــ