عنوان المقال/ تأملات رمضانية- في الآيات القرآنية 2
عنوان المقال/ تأملات رمضانية- في الآيات القرآنية 2 مقالات

عنوان المقال/ تأملات رمضانية- في الآيات القرآنية 2

تأملات رمضانية- في الآيات القرآنية 2
أعوذ بالله من الشيطان الغوي اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله لم يزل عليّا ، ولم يزل في علاه سميّا ، قطرة من بحر جوده تملأ الأرض ريّا ، نظرة من عين رضاه تجعل الكافر وليّا ،الجنة لمن أطاعه ولو كان عبدًا حبشيًا و النار لمن عصاه ولو شريفًا قرشيًا ، أنزل على نبيه ومصطفاه قولاً بهيًا] تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً, ثم الصلاة و السلام على المبعوث رحمةً للأنام محمد عليه أفضل الصلاة و أتم السلام و آله خزان علمه و تراجمة وحيه و على صحبه المنتجبين و مَن تبعهم بإحسانٍ الى يوم الدين.
قال تعالى { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [البقرة185]
*الدلائل الأخلاقية للآية الكريمة:
تتضمن الآية الكريمة 185من سورة البقرة أسساً أخلاقية وتربوية عميقة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، تركز على أن رمضان مدرسة إيمانية شاملة تهدف إلى إصلاح السلوك، وتقوى القلوب، وتزكية النفس من خلال الصيام. تتجلى فيها قيم اليسر، الشكر، والاحتفاء بالقرآن، مع مراعاة الحالة النفسية والجسدية للصائم.
الدلائل الأخلاقية في الآية عند أهل البيت:
أخلاقيات اليسر والرحمة: تؤكد الآية {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} على أن الدين مبني على التيسير، وتراعي أحوال المرضى والمسافرين، مما يرسخ خلق الرحمة والرأفة بالإنسان وعدم تحميله ما لا يطيق.
علاقة الصيام بالقرآن: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} تبين أن الصيام يهدف إلى التخلق بأخلاق القرآن والاهتداء به، وليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب.
شكر النعمة: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} إشارة إلى أن الصيام تدريب على شكر الله على نعمة الهداية والقرآن، وشكر نعم الحياة، مما ينمي خلق العرفان والعبودية الواعية.
تعظيم الله وتوحيده: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} تعزز أخلاق التواضع والاعتراف بفضل الله، وتنمية الروحانية والتسبيح والتحميد بعد أداء العبادات.
التكامل الأخلاقي: الآية تشير إلى أن رمضان فترة لتربية النفس، وتهذيب السلوك، وتقوية الإرادة لتحقيق التقوى الشاملة.
و تحمل هذه الآية الكريمة مضامين أخلاقية وتربوية عميقة عند التأمل فيها من خلال مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، الذين أكدوا أن الصوم ليس مجرد إمساك عن الطعام، بل هو "منهج حياة" يهدف لتهذيب النفس.
إليك أبرز الدلائل الأخلاقية المستوحاة من هذه الآية ومنهج أهل البيت:
1. أخلاق "التيسير" والرحمة الإلهية
نلمس في قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ملمحاً أخلاقياً عظيماً، وهو أن الدين مبني على الرأفة وليس المشقة.
عند أهل البيت: يُعلمنا هذا المبدأ أن نكون هيّنين لينين في تعاملنا مع الآخرين. كما يسر الله علينا في أحكام الصيام للمريض والمسافر، ينبغي للمؤمن أن يتبنى "خلق التيسير" في علاقاته الاجتماعية، فلا يحمل الناس ما لا يطيقون.
2. الصدق مع الذات (حقيقة الفرقان)
وصف الله القرآن بأنه (فُرْقَانِ)، أي يفرق بين الحق والباطل.
الدلالة الأخلاقية: الصيام عند أهل البيت هو "فرقان" نفسي. روي عن الإمام الصادق (ع): "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك". الصيام الأخلاقي يفرض على الإنسان أن يكون صادقاً في تمييزه بين الحلال والحرام، وبين هوى النفس ورضا الخالق.
3. أدب الامتنان (خلق الشكر)
ختمت الآية بقوله: (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
عند أهل البيت: الشكر ليس مجرد كلمة "الحمد لله"، بل هو استخدام النعمة فيما خُلقت له. الصيام يُشعر الغني بألم الجوع ليتذكر نعمة الله عليه، مما يولد عنده دافعاً أخلاقياً نحو "الجود والسخاء" ومواساة الفقراء، وهو من صلب أخلاق أهل البيت في رمضان.
4. تعظيم شعائر الله (الكبرياء لله وحده)
قوله تعالى: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ).
الدلالة الأخلاقية: التكبير هنا هو اعتراف بعظمة الله وصغر ما سواه. هذا يربي في المؤمن "خلق التواضع"؛ فمن يكبّر الله بقلبه، لا يمكن أن يتكبر على عباده. الهداية للقرآن تستوجب خضوعاً أخلاقياً يترفع فيه الإنسان عن صغائر الأمور والخصومات.
5. الانضباط والوفاء بالعهد
قوله تعالى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ).
الدلالة الأخلاقية: تشير إلى أهمية "الإتقان" و"إتمام العمل". الأخلاق الإسلامية عند أهل البيت تحث على أن لا يكون عمل الإنسان ناقصاً. إكمال عدة الصيام يربي المرء على الصبر والالتزام بالعهود والواجبات حتى نهايتها، مهما كانت الصعوبات.
=الــخــلاصــة:-
تتمحور المباحث الأخلاقية والتربوية لآية الصيام (البقرة 185) عند أهل البيت (ع) حول تعظيم شهر القرآن، تحقيق التقوى، تيسير الله على العباد، شكر النعم، والتزكية النفسية. الصيام هو فرصة لتطهير النفس، وترسيخ الولاية بالهدى والفرقان، وإكمال العدة، وتكبير الله شكرًا.
=أبرز المباحث الأخلاقية للآية:
.تعظيم رمضان بنزول القرآن: الآية ترشد إلى أن رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو شهر «الهدى» والقرآن، مما يستوجب توجيه القلب نحو التدبر والأخلاق القرآنيّة.
.الصيام كأداة لتزكية النفس: يرى مذهب أهل البيت أن الصيام وسيلة عملية لتهذيب النفس، وتنقيتها من الأخلاق الرذيلة، وتعويدها على الصبر والصدق.
.اليسر والرحمة الإلهية: في قوله «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ»، إشارة أخلاقية إلى أن الإسلام دين رفق، وأن رخص الإفطار للمريض والمسافر هي رحمة تعزز شعور العبد بحب الله ورعايته، وليس مجرد إعفاء تكليفي.
.شكر النعمة بالعمل: الآية تربط الهدى بالشكر («وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»)، والشكر عند أهل البيت لا يكون باللسان فقط، بل بالعمل الصالح، والامتثال لأوامر الله، وترك محارمه.
.التكبير عند إكمال العبادة: تعظيم الله تعالى («وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ») عند نهاية الشهر هو شكر على الهداية وتوفيق العبادة، وهو تعليم لأهمية التواضع لله بعد الطاعة.
تؤكد الآية أن الهدف النهائي هو الوصول إلى حالة «التقوى» والارتقاء الروحي، فالمقصود بالصيام هو تربية النفس وتزكيتها.
و تُعد هذه الآية الكريمة محطة مركزية في منظومة الأخلاق والتربية الروحية في مدرسة أهل البيت (ع). فالصوم عندهم ليس مجرد إمساك عن الطعام، بل هو "رياضة أخلاقية" تهدف لتهذيب النفس.
-إليك خلاصة المباحث الأخلاقية والتربوية المستفادة من هذه .الآية وفق رؤية أهل البيت و تتلخص بالنقاط التالية:
1. الارتباط بين القرآن والتزكية (البعد المعرفي)
تفتتح الآية بذكر إنزال القرآن في رمضان قبل ذكر فريضة الصيام. يشير أئمة أهل البيت إلى أن الهدف من الصوم هو تهيئة الروح لاستقبال أنوار القرآن.
>خلاصة أخلاقية: لا قيمة للصيام الذي لا يؤدي إلى تعميق البصيرة (الفرقان). الصوم وسيلة، والاهتداء بالقرآن غاية.
2. أخلاق "اليسر" ورفع الحرج
قوله تعالى: "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ".
.المنهج الأخلاقي: يؤكد أهل البيت أن الدين مبني على الرفق لا العنف، وعلى المحبة لا الإكراه.
.التطبيق: مَن كان مريضاً أو مسافراً فأفطر، فهو يطيع الله بإفطاره كما يطيعه الصائم بصيامه. وهذا يعلم المؤمن "التسليم" لأمر الله، وكسر حدة "الأنانية الدينية" التي قد تجعل الشخص يحمّل نفسه ما لا يطاق غروراً بعبادته.
3. تعظيم الله (التكبير) كعلاج للكبر
قوله تعالى: "وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ".
.الدرس الأخلاقي: التكبير ليس مجرد لفظ، بل هو استشعار عظمة الخالق في مقابل صغر النفس. الصائم عندما يشعر بالجوع والضعف، يدرك فقره لله، فيتحطم كبرياؤه، ويحل محله تعظيم الله.
.رؤية أهل البيت: التكبير هو شكرٌ على نعمة الهداية للولاية والطاعة، وهو قمة التواضع العبادي.
4. الشكر كغاية نهائية للصيام
تختم الآية بـ "لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ".
.مفهوم الشكر: عند أهل البيت، الشكر هو "صرف النعمة فيما خُلقت له".
.الأثر الأخلاقي: الصوم يعرفك قدر النعمة (الطعام، الشراب، الصحة). عندما تذوق ألم الجوع، تتوجه أخلاقك نحو المواساة للفقراء والمساكين، وهذا هو حقيقة الشكر العملي.
*" أقولُ قولي و أستغفر الله لي و للمؤمنين و المؤمنات
و الحمد لله رب العالمين و صلى الله خير بريته أجمعين محمدٍ و آلهِ الطاهرين و صحبه المنتجبين
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب
د. عبد الجليل البصري
8رمضان1447هــ
26 / 2 / 2026مــ