عنوان المقال / تأملات أخلاقية/ في التهجد الفصل الأول:
عنوان المقال / تأملات أخلاقية/ في التهجد الفصل الأول: مقالات

عنوان المقال / تأملات أخلاقية/ في التهجد الفصل الأول:

أعوذُ بالله السميع العليم
من الشيطان الغوي اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بصرنا سبل الحمد، ووقفنا على طرق الذم، لنضع كلاً منهما في موضعه، ونستعمله في حينه، ونلحقه بمستحقه، إذ ذكر من أحبه فقال: " نعم العبد إنه أواب " ، ووصف من مقته فقال: " همازٍ مشاءٍ بنميم، مناعٍ للخير معتدٍ أثيم، عتلٍ بعد ذلك زنيم " , فذم قوله وفعله، وعاب شيمته، وخلقه وهتك الشتم عرضه، وسود بالذم وجهه، جزاءً بما اكتسب من ذميم الفعال، ووفقاً لما أطلقها من اسم المقال، نكالاً من الله والله عزيز حكيم. وصلى الله على نبيه محمد البشير النذير الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير وعلى آله الطيبين وعترته الطاهرين و صحبهِ المنتجبين.
أما بعد
@تأملات أخلاقية/ في التهجد الفصل الأول:
قال تعالى { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً }[ الإسراء 79]
*المبحث الموضوعي:
يتمحور المبحث الموضوعي لهذه الآية عند أهل البيت (ع) حول ثلاثة أركان أساسية:
١. المقام المحمود هو "مقام الشفاعة"
أجمع مفسرو أهل البيت والروايات الواردة عنهم (ع) على أن "المقام المحمود" هو الشفاعة الكبرى لرسول الله (ص) يوم القيامة.
.هو مقام يحمده عليه الأولون والآخرون، حيث يحتاج الجميع إلى شفاعته في ذلك الموقف.
.ورد عن الإمام علي (ع) أن هذا المقام هو "رئاسة المحشر"، حيث يثني النبي على الله ثناءً لم يثنه أحد قبله، وتخضع له الخلائق بالحمد.
٢. وجوب صلاة الليل على النبي (ص)
يشير التعبير بـ "نَافِلَةً لَّكَ" في رؤية أهل البيت إلى خصوصية تشريعية:
.النافلة هنا بمعنى "الزيادة على الفريضة"، وقد ذهب كثير من علماء الشيعة استناداً للأحاديث إلى أن صلاة الليل كانت واجبة على النبي (ص) وحده دون أمته.
.تعتبر هذه العبادة الليلية هي "الوسيلة" أو "السبب" الذي استحق به النبي الوصول إلى ذلك المقام الرفيع.
٣. الترابط بين العبادة والمكانة (التهجد والبعث)
المبحث الموضوعي يؤكد على أن التهجد (القيام بعد النوم للصلاة) هو منهاج تربوي وروحي يؤدي إلى الرفعة:
.الآية ترسم علاقة شرطية بين إحياء الليل وبين البعث في مقام يُغبط عليه.
.في مدرسة أهل البيت، يُعتبر هذا المقام أيضاً مرتبطاً بـ "أهل الأعراف" الذين هم النبي والأئمة، حيث يقفون في مكان عالٍ يفصل بين الجنة والنار ليشفعوا لمن عرفوه وعرفهم. و فضل صلاة الليل (التهجد) وأهميتها للنبي (ص) وللمؤمنين. وقد ركزت روايات أهل البيت (ع) على أن هذا "المقام المحمود" هو شفاعة النبي الكبرى لأمته يوم القيامة، مع التأكيد على صلاة الليل كعنصر أساسي لشيعتهم.
=أهم نقاط التفسير عند أهل البيت (ع) ومدرستهم:
.معنى المقام المحمود: هو مقام الشفاعة العظمى للنبي يوم القيامة، حيث يحمده الأولون والآخرون لإخراج المذنبين من النار وإدخالهم الجنة، كما جاء في حديث الإمام علي بن الحسين (ع).
.التهجد نافلة للنبي: خُص النبي بها لرفع درجاته، بينما هي كفارة لذنوب المؤمنين، لأن النبي قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
.الحث على صلاة الليل: أورد المرجع الالكتروني للمعلوماتية أن النبي(ص) وصى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) بها، وروي عن الإمام .الصادق (ع): "ليس من شيعتنا من لم يصل صلاة الليل".
.فضائل صلاة الليل: تدر الرزق، تحسن الوجه، ترضي الرب، وتنفي السيئات. يُشار إلى أن الآية تعتبر أمراً للنبي (ص) بالتهجد بعد الصلوات المكتوبة، وهو ما أكده المفسرون، واعتبروا أن "عسى" من الله واجبة للوعد الصادق بالمقام المحمود.
*المبحث الأخلاقي:
تتضمن الآية الكريمة مباحث أخلاقية وتربوية عميقة ترسم معالم السلوك الروحي والكمالي للإنسان، وأبرزها:
1. المجاهدة وعلو الهمة:
التهجد يتطلب ترك الراحة والنوم في وقت السكون، وهو ما يعكس قيمة "مجاهدة النفس" . أخلاقياً، تشير الآية إلى أن نيل المراتب الرفيعة لا يأتي بالدعة، بل بالبذل وعلو الهمة في عبادة الخلوة التي تكسر الكبر وتنمي الإخلاص .
2. الإخلاص وعبادة السر:
التهجد عبادة ليلية بعيدة عن رؤية الناس، مما يعزز خلق "الإخلاص" ونقاء السريرة . الأخلاق الإسلامية تركز على أن صلاح الظاهر يبدأ من طهارة الباطن في الخلوة مع الله.
3. التواضع لله (العبودية):
وصف التهجد بأنه "نافلة" (زيادة) يعكس التواضع؛ فالعبد لا يكتفي بالواجبات بل يتقرب بالنوافل حباً وطواعية، وهو ما يربي النفس على التواضع والاعتراف بالتقصير مهما بلغ العمل .
4. قانون "الجزاء من جنس العمل":
تربط الآية بين الفعل (التهجد) والنتيجة (المقام المحمود). أخلاقياً، هذا يؤصل لمبدأ "الاستحقاق"؛ فالمقام الأخلاقي الرفيع والجاه عند الله والناس هو ثمرة للاستقامة والجهد الروحي الخاص.
5. الشفاعة والمسؤولية الاجتماعية:
"المقام المحمود" يُفسر بالشفاعة العظمى للنبي ﷺ. ومن منظور أخلاقي، هذا يشير إلى أن كمال الفرد وتزكية نفسه (بالتهجد) يهدف في النهاية إلى "نفع الآخرين" والإحسان إليهم؛ فالغاية من السمو الأخلاقي ليست ذاتية فقط، بل لخدمة الخلق والشفاعة لهم. و تتضمن الآية الكريمة. أبعاداً أخلاقية وتربوية عميقة، تركز على تهذيب النفس عبر صلاة الليل، تحقيق الإخلاص، تعزيز الارتباط بالله، والسمو بالروح لنيل الكرامة الإلهية، حيث يعتبر التهجد سبيلاً للرزق، وطهارة من الذنوب، ورضا للرب.
=المباحث الأخلاقية والتربوية للآية:
.تهذيب النفس والارتقاء الروحي: صلاة الليل هي عبادة اختيارية (نافلة) تؤدي إلى تربية النفس، وتخليصها من الكسل والتعلق بملذات النوم، مما يمنح الفرد استقراراً نفسياً وقوة إيمانية.
.الإخلاص وترك الرياء: التعبد في جوف الليل بعيداً عن أعين الناس يعزز قيمة الإخلاص لله، ويقطع الارتباط بغيره.
.نيل المقام المحمود: التزام التهجد وسيلة للوصول إلى مراتب عليا من القرب الإلهي والرضا، الذي يُثمر مقاماً محموداً في الدنيا والآخرة.
.الاعتراف بالفضل والعبودية: صلاة الليل تُظهر الانقطاع إلى الله والتضرع إليه، وهو أعلى درجات التبتل والعبودية.
آداب العبادة: الدعوة إلى "التهجد" تشمل أيضاً ترتيل القرآن وتدبره، مما يثمر وعياً أخلاقياً وسلوكياً. و الآية تحث على خلق المداومة على العبادة السرية لتطوير الروح وتزكية الأخلاق.
= خلاصة المبحث الأخلاقي:
تتلخص الأبعاد الأخلاقية والتربوية في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ في النقاط التالية:
١. الإخلاص وتزكية النفس:
يُعد التهجد (قيام الليل) من أعظم وسائل التربية الأخلاقية؛ لأنه عبادة تقوم على "الخفاء" والبعد عن الرياء، مما يعمق صفة الإخلاص في نفس المؤمن، ويحررها من التعلق بمدح الناس.
٢. المجاهدة وعلو الهمة:
الأمر بالتهجد بعد النوم (الهجود) يتطلب مجاهدة للنفس وتركاً للراحة البدنية، وهو ما يربي الفرد على الانضباط الأخلاقي وقوة الإرادة، والقدرة على التحكم في الشهوات والرغبات من أجل غايات أسمى.
٣. صلة الأخلاق بالارتقاء الروحي:
تؤكد الآية أن "المقام المحمود" (وهو أسمى مراتب الشفاعة للنبي ﷺ، ورفعة الدرجات للمؤمن) لا يُنال بالتمني، بل بالعمل التطوعي (نافلة) والتقرب الخالص، مما يرسخ مبدأ أن السلوك الأخلاقي والعبادي هو الطريق الوحيد للقرب من الله ونيل المنزلة الرفيعة.
٤. شكر النعمة بالنافلة:
النافلة أخلاقياً هي تعبير عن "الحب والشكر" وليس مجرد أداء للواجب. فالمؤمن الذي يتهجد يعبر عن امتنان قلبي لله، مما يغرس في نفسه خلق التواضع والشعور الدائم بالتقصير مهما بلغ عمله.
٥. الأنس بالله والسكينة:
الخلوة بالله في الليل تثمر طمأنينة في القلب واستقامة في السلوك نهاراً؛ فمن استقام ليله بالعبادة، استقام نهاره بحسن التعامل مع الخلق، لأن القلوب تشحن بالقيم الإلهية في وقت السحر. و تُؤصّل الآية الكريمة لمنهج أخلاقي روحي قوامه التزكية والارتقاء بالنفس عبر التهجد ليلاً. خلاصة المبحث الأخلاقي هي أن قيام الليل (نافلة) يمثل وسيلة لتعزيز القرب من الله، والتحرر من أسر الذنوب، والتخلق بالعبودية الخالصة، مما يؤدي إلى نيل "المقام المحمود" وهو أعلى درجات الكمال الإنساني والشرف الروحي.
=أبرز النقاط الأخلاقية في الآية:
.التهجد كعبادة تربوية: صلاة الليل ليست مجرد طقس، بل هي تربية للنفس وتجديد للروح.
.علاقة الذنوب بالتهجد: الأخلاق الفاسدة والمعاصي في النهار تحرم المرء من نور قيام الليل (قيّدتك ذنوبك).
.الارتقاء "المقام المحمود": الجزاء هو المقام المحمود، والذي يفسر بكونه مقام الشفاعة للنبي (ص)، أو مقام العزة والرفعة لكل مؤمن يلتزم طاعة الله.
.التواضع والعبودية: التهجد يعزز صفة العبودية الخالصة لله.
باختصار، الآية تحث على الاستقامة نهاراً لتُتوج بـ التهجد ليلاً، مما يؤدي إلى رقي أخلاقي وروحي عظيم.
و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آلهِ الميامين
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب
د. عبد الجليل البصري
السبت 4شعبان 1447هــ
24/1/2026مــ