عنوان المقال - الإحسان القسم الثاني
عنوان المقال - الإحسان القسم الثاني مقالات

عنوان المقال - الإحسان القسم الثاني


أعوذُ بالله السميع العليم
من الشيطان اللعين الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
تأملات أخلاقية – الإحسان: القسم الثاني0
قال تعالى { هَلۡ جَزَاۤءُ ٱلۡإِحۡسَـٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَـٰنُ }[ الرحمن 60]
*المبحث الموضوعي للآية:
يدور حول أن {جزاء الإحسان في الدنيا هو الإحسان في الآخرة}، وهي آية استنكارية تقرر أن {ثواب فعل الحسنات هو النعيم الأبدي}، مؤكدة على {عدل الله المطلق} في مكافأة المحسنين بـ{الجنة والنظر إليه}، وتدعو الناس إلى {التحلي بالإحسان} في تعاملهم مع الله ومع خلقه.
= المحاور الموضوعية للآية:
.{عدل الله المطلق}: الآية دليل على أن الله لا يضيع أجر المحسنين، فمن أحسن في الدنيا عمله وأطاع ربه، جازاه الله بالإحسان في الآخرة.
.{مفهوم الإحسان}: الإحسان هنا يشمل أمرين: إحسان العبد لربه (عبادة الله كأنك تراه)، وإحسان الإنسان لغيره (تقديم الخير للناس)، وكلاهما يثمر إحساناً من الله.
.{جزاء الإحسان في الدنيا}:
.{في الآخرة}: الجنة ونعيمها، والزيادة وهي النظر إلى وجه الله الكريم.
.{في الدنيا}: فسحة في الصدر، وفي الرزق، وفي القبر.
.{تشجيع على الإحسان}: تدفع الآية المؤمن للتحلي بصفة الإحسان مع الله ومع الناس (حتى المسيء)، كصفة يوسف عليه السلام، ليكون جزاؤه الإحسان الأكبر من الله.
.{استفهام تقريري}: استفهام غرضه تأكيد المعنى، كأن السؤال لا يحتاج جوابًا، فجزاء الحسنات هو الحسنات نفسها، كما يقول {هل جزاء السيئات إلا السيئات} في موضع آخر. الإحسان هو أعلى مراتب الدين، ويُعرَّف بأنه "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، ويشمل إتقان العبادات وبذل المنافع للناس، وهو ضد الإساءة ويتجاوز العدل (العفو والمغفرة) وهو سلوك روحي يعكس الإخلاص ومراقبة الله في كل الأفعال، وله ثواب عظيم.
.. مفهوم الإحسان
.لغةً: ضد الإساءة، وهو فعل الحسن والجميل.
.اصطلاحاً:
-في حق الله: أن تؤدي العبادات بأكمل وجه كأنك تراه، أو لأن الله يراك، وهو قمة الإخلاص.
-في حق الخلق: بذل المنافع للآخرين، كإطعام الجائع وإعانة المحتاج، وتقديم ما هو أفضل مما هو مطلوب.
..أنواع الإحسان
إحسان في العبادات: إتقان الصلاة والصيام وغيرها، باستحضار رؤية الله أو علمه المباشر بحالك.
.إحسان في المعاملات: فعل الخير للناس، كالعفو عن المسيء، ومساعدة المحتاج، والكلمة الطيبة، وإكرام الجار، وتقديم الأفضل.
.إحسان في الأعمال: إجادة الصنعة وإتقان العمل.
..ثمرات الإحسان
.محبة الله ورضاه.
.الجزاء الحسن، قال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}.
.قضاء حوائج المحسنين وتفريج كرباتهم وحفظهم من الشرور.
..مراتب الإحسان (بعد الإسلام والإيمان)
.الإسلام: أعمال الجوارح.
.الإيمان: أعمال القلوب.
.الإحسان: إتقان تلك الأعمال مع كمال التوجه لله (الرغبة والرهبة).
أن جزاء المحسنين في الدنيا، سواء بالإيمان والطاعة لله أو بالإحسان للناس، هو الإحسان لهم في الآخرة بالجنة والنعيم، وهي قاعدة إلهية تؤكد عدل الله المطلق في مكافأة من أحسن، وتشجع الناس على الإحسان لبعضهم البعض كسبيل للسلام والترابط. الآية تعني أن جزاء الإحسان ليس إلا الإحسان، وهو استفهام إنكاري بمعنى النفي القاطع.
=المفاهيم الأساسية للآية:
الإحسان في حق الله: هو أن تعبد الله كأنك تراه، وتخافه وتتقيه.
الإحسان في حق الناس: يشمل الإنعام، والمشورة، وتفريج الكروب، والابتسامة، وتفقد أحوالهم، وكل ما هو حسن وملائم للطبع.
جزاء الإحسان: هو الجنة، والنعيم المقيم، والنظر إلى وجه الله الكريم، وراحة الصدر وسعة الرزق، وهو وعد إلهي لا يتخلف.
العدل الإلهي: الآية دليل على أن الله لا يضيع أجر المحسنين، ويكافئهم بما هو أفضل وأكمل مما قدموه في الدنيا.
التطبيق العملي: الآية تدعو لترسيخ الإحسان بين الناس، فمن أحسن للآخرين يجازيه الله، ومن يتعامل بالحسنى مع المسيء يهديه ويرتقي به.
=السياق العام للآية:
تأتي في سورة الرحمن في سياق الحديث عن جنات عرضها السموات والأرض، وهي جزاء لخوف مقام الرب.
هي قاعدة عامة تشمل جزاء الإحسان بين المخلوقات، فكما يحسن الله للعباد، على العباد أن يحسنوا لبعضهم البعض.
=خلاصة المبحث:
الآية تؤكد أن {جزاء الإحسان هو الإحسان}، وهي قاعدة ربانية مطلقة تضمن للمحسنين في الدنيا {الخير الجزيل في الآخرة}، وتدعونا لتطبيق الإحسان كمنهج حياة، كما {أخبرنا بها (ص ) في حديث جبريل} (أن تعبد الله كأنك تراه).
*المبحث الأخلاقي للآية:
تُعد هذه الآية الكريمة (سورة الرحمن: 60) قاعدة أخلاقية كلية تُنظم العلاقات الإنسانية والربانية، ويُمكن تلخيص مباحثها الأخلاقية في النقاط التالية:
1. مبدأ المقابلة بالمثل (العدل الأخلاقي):
تؤسس الآية لمبدأ "المكافأة"؛ فمن قدّم خيراً يستحق خيراً يوازيه أو يفوقه. وفي سياقها القرآني، تعني أن من أحسن في الدنيا بالعبادة والعمل الصالح، فجزاؤه الإحسان من الله بالجنة والرضوان.
2. ترسيخ قيمة "الإحسان":
الإحسان هو أعلى مراتب الأخلاق (أن تعبد الله كأنك تراه، وفي المعاملات هو بذل الفضل لا الواجب فقط). الآية تحفز الفرد على المبادرة بالخير، لأن "الإحسان" الأول هو الذي يستجلب "الإحسان" الثاني.
3. الوفاء والاعتراف بالجميل:
من الناحية الأخلاقية والاجتماعية، توجب الآية على الإنسان أن يكون وفياً لمن أسدى إليه معروفاً. فالرد على الإحسان بالإساءة هو نكران للجميل وانحدار أخلاقي، بينما الرد بالإحسان هو كمال المروءة.
4. العدل الإلهي المطلق:
تطمئن الآية النفس البشرية بأن أي جهد أخلاقي أو عمل صالح لن يضيع سدى، فالله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، مما يدفع الإنسان للاستمرار في العطاء حتى لو لم يجد تقديراً من الناس.
5. الارتقاء من "الحق" إلى "الفضل":
بينما يقوم العدل على إعطاء كل ذي حق حقه، يقوم الإحسان على الزيادة والكرم. الآية تدعو أن تكون لغة التعامل بين الخلق هي "الفضل" و"الإحسان" المتبادل، مما يزيل الأحقاد وينشر السلم الاجتماعي. و يتركز حول العدل المطلق، وجزاء المحسنين، وضرورة الرد على الإحسان بمثله، و محفزية التسامي في الأخلاق والتعامل، مما يؤسس لثقافة إيجابية من التعاون والمحبة، ويشمل مكافأة الله على الإحسان الدنيوية و الأخروية (كالنظر لوجهه)، ويشجع على معاملة المسيء بأحسن ما يكون لتهذيب سلوكه وخلق السلام.
= أبعاد المبحث الأخلاقي للآية:
1.العدل الإلهي المطلق: تؤكد الآية أن الله لا يضيع أجر المحسنين، وأن جزاء الإحسان هو الإحسان نفسه، وهو مظهر من مظاهر عدل الله المطلق، سواء في الدنيا أو الآخرة.
2.<<< مكافأة الإحسان:
>في الدنيا: قد يكون في الرزق الواسع، والسكينة في الصدر، وقضاء الحوائج.
>في الآخرة: الجزاء الأكبر هو الجنة (الحسنى) والزيادة منها، وهي النظر إلى وجه الله الكريم، كما في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}.
3.<<< تحفيز السلوك الإيجابي:
>الرد بالإحسان: تشجع الآية الإنسان على مجازاة من أحسن إليه بمثل إحسانه، لتبقى قيمة الإحسان حية في المجتمع.
>معاملة المسيء: تدعو إلى دفع السيئة بالتي هي أحسن، مما يهذب سلوك المسيء ويحول العداوة إلى مودة.
4.<<< الربط بين الدين والأخلاق: الدين كله خلق، ومن فاق في الخلق فاق في الدين، والإحسان هو جوهر السلوك الأخلاقي القويم.
5.<<< ثقافة السلام والمودة: الإحسان المتبادل بين الناس هو مفتاح السلام والسكينة، ويحقق التعاون والتواد.
باختصار، الآية دعوة شاملة للإحسان في كل مناحي الحياة، مع وعد رباني بالجزاء الحسن، وتوجيه لتهذيب النفوس وخلق مجتمع متراحم متسالم.
*الخلاصة:
تُعد هذه الآية الكريمة قاعدة أخلاقية كلية تُنظم العلاقات الإنسانية والربانية، ويُمكن تلخيص مباحثها الأخلاقية في النقاط التالية:
مبدأ المقابلة بالمثل: تُرسخ الآية أن الأصل في التعامل الأخلاقي هو مقابلة الخير بالخير، وهي دعوة لعدم نكران الجميل واعتراف بفضل المحسن .
>تزكية النفس: تدفع الآية المؤمن للارتقاء بأفعاله إلى مرتبة "الإحسان" (وهو إتقان العمل وبذل المعروف دون وجوب)، طمعاً في إحسان الله الذي لا حدود له.
العدل الإلهي المطلق: تبرز الآية طمأنينة أخلاقية بأن الجهد الإنساني المخلص لن يضيع هباءً، وأن الجزاء من جنس العمل، مما يحفز على الاستمرار في فعل الخير حتى لو لم يلقهُ الناس بالتقدير.
>الوفاء والشكر: أخلاقياً، الآية تذم الجحود؛ فإذا كان الله وهو الغني عن عباده يجازي الإحسان بالإحسان، فمن باب أولى أن يتبادل البشر المعروف فيما بينهم وفاءً وشكراً. و الآية تحول "الإحسان" من مجرد فعل اختياري إلى منظومة متكاملة من المكافأة والتقدير الأخلاقي
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب/ د. عبد الجليل البصري
29رجب1447هــ
الموافق19/1/2026مــ