عنوان المقال/ جيوب الموظفين تحت المجهر: هل تعالج الاستقطاعات عجز الموازنة أم تعمق الأزمة المعيشية؟
في دهاليز القرارات السياسية، غالباً ما يُنظر إلى موازنة الدولة كأرقام جامدة تحتاج إلى الضبط، لكن خلف كل "فاصلة عشيرة" في تقارير المجلس الوزاري للاقتصاد، تقبع حياة الملايين من العراقيين الذين يشكل "الراتب" بالنسبة لهم صمام الأمان الوحيد في بيئة اقتصادية متقلبة. اليوم، ومع تصاعد الحديث عن حزم جديدة من الاستقطاعات، يبدو أن بوصلة الإصلاح الحكومي قد أخطأت طريقها مرة أخرى، لتتجه نحو الحلقة الأضعف في السلسلة الإنتاجية: الموظف.
الهروب إلى الأمام
إن اللجوء إلى استقطاع نسب من الرواتب أو المخصصات تحت مسميات "الاستدامة الممالية" أو "الضرائب المستحدثة"، لا يمكن وصفه إلا بأنه "هروب إلى الأمام". فبدلاً من معالجة الثقوب السوداء في جسد الاقتصاد العراقي —من منافذ حدودية غير منضبطة، وهدر ملياري في عقود الطاقة، وترهل في الإنفاق السيادي— تختار الإدارة المالية الطريق الأقصر والجباية الأسهل من المنبع، متجاهلةً التبعات الاجتماعية والنفسية لهذا التوجه.
فخ "الولاية الثانية" والاستحقاق المعيشي
من المفارقات الصارخة أن تأتي هذه التوجهات في وقت يتحدث فيه البعض عن "منجزات خدمية" وطموحات لولاية ثانية. فكيف يستقيم الحديث عن الاستقرار والنمو مع قرارات تستهدف القوة الشرائية للطبقة الوسطى؟ إن هذه الاستقطاعات لن تمر كحدث عابر، بل ستشكل "كرة ثلج" من الاحتقان الشعبي، خاصة وأن التجارب السابقة أثبتت أن "الاستقطاع المؤقت" في العراق سرعان ما يتحول إلى "قانون دائم"، دون أن يلمس المواطن تحسناً ملموساً في جودة الخدمات أو الضمان الاجتماعي مقابل ما يُنتزع منه.
تداعيات سحق القوة الشرائية
اقتصادياً، يعد استهداف دخل الموظف "انتحاراً بطيئاً" للسوق المحلي؛ فالموظف هو المحرك الفعلي لحركة البيع والشراء. وأي انتقاص من دخله يعني بالضرورة ركوداً تجارياً يطال أصحاب المهن الصغيرة والمؤسسات الأهلية، مما يدفع بالبلاد نحو حلقة مفرغة من الركود التضخمي. إن الدولة التي تبحث عن تعظيم مواردها عبر "جيوب الرعية" هي دولة تؤجل أزمتها ولا تعالجها.
على صناع القرار في المجلس الاقتصادي أن يدركوا أن شرعية أي حكومة ترتكز في المقام الأول على قدرتها على حماية الطبقات العاملة، وليس تحويلها إلى "ممول" لفشل التخطيط الحكومي. إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بضرب رؤوس الفساد وإيقاف نزيف العملة الصعبة، لا بالوقوف عند أبواب المصارف لاستقطاع ما تبقى من فتات في رواتب الموظفين. فالموظف الذي صبر على الأزمات الأمنية والسياسية، قد لا يجد في جيبه متسعاً لمزيد من الصبر على الأزمات المعيشية المفتعلة.
الكاتبة الصحفية
رؤى الخزرجي