عنوان المقال/ تأملات أخلاقية/ الأمانة:
عنوان المقال/ تأملات أخلاقية/ الأمانة: مقالات

عنوان المقال/ تأملات أخلاقية/ الأمانة:

أعوذ بالله السميع العليم
من الشيطان الغوي اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب أظهر الحق بالحق وأخزى الأحزاب وأتمَّ نوره، وجعل كيد الكافرين في تباب أرسل الرياح بشرًى بين يدي رحمته وأجرى بفضله السحاب وأنزل من السماء ماء، فمنه شجر، ومنه شراب جعل الليل والنهار خلفة فتذكر أولو الألباب نحمَده تبارك وتعالى على المسببات والأسباب ونعوذ بنور وجهه الكريم من المؤاخذة والعتاب ونسأله السلامة من العذاب وسوء الحساب. و صلى سيدنا محمدًا عبده ورسوله المستغفِر التواب المعصوم صلى الله عليه وسلم في الشيبة والشباب خُلُقه الكتاب، ورأيه الصواب، وقوله فصل الخطاب قدوة الأمم، وقمة الهِمَم، ودرة المقربين والأحباب. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى الآل و المنتجبين من الأصحاب ما هبت الرياح بالبشرى وجرى بالخير السحاب وكلما نبت من الأرض زرع، أو أينع ثمر وطاب.
تأملات أخلاقية/ الأمانة:
قال تعالى { إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلۡأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰۤ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَیۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُوا۟ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا یَعِظُكُم بِهِۦۤ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِیعَۢا بَصِیرࣰا } [النساء58]
*المبحث الأخلاقي للآية الكريمة:
تتضمن هذه الآية الكريمة مرتكزات المبحث الأخلاقي في الإسلام، وتتلخص في قيمتين كليتين:
1. أداء الأمانة (المسؤولية والنزاهة):
.شمولية الأمانة: لا تقتصر على الودائع المالية، بل تشمل كل ما يُوكل إلى الإنسان من مسؤوليات (العمل، الأسرار، التكاليف الشرعية، وحقوق العباد) .
.الكفاءة (أهلها): البعد الأخلاقي هنا يوجب إعطاء المسؤوليات لمن يستحقها والأكثر كفاءة، وهي قاعدة أخلاقية لإصلاح المجتمع .
2. العدل (المساواة والإنصاف):
.الإطلاق: الأمر بالعدل جاء مطلقاً "بين الناس"، مما يعني وجوب تطبيقه مع الجميع بغض النظر عن الدين أو العرق أو المذهب .
.النزاهة الموضوعية: التحرر من الهوى الشخصي والمؤثرات الخارجية عند اتخاذ القرارات أو الحكم بين الأطراف.
3. الرقابة الذاتية (الوعي الأخلاقي):
ختمت الآية بصفتي "سميعاً بصيراً"، لربط السلوك الأخلاقي بالرقابة الإلهية، مما يحول الأخلاق من مجرد قوانين جافة إلى وازع داخلي وضمير حي.
و من هنا نقول أن المبحث الأخلاقي لهذه الآية الكريمة يتمحور حول العدالة في الأداء والتسوية، حيث تأمر الله بأداء الأمانات لأصحابها (عدل في الحقوق) والحكم بالعدل بين الناس (عدل في الحكم)، وتُعلِّم أن إتقان هذه الواجبات هو من أفضل ما يأمر به الله، وأن الله عليم ومطلع على كل شيء (سميع بصير).
=أركان المبحث الأخلاقي للآية:
1.وجوب أداء الأمانات:
.تعريف الأمانة: تشمل كل ما ائتمن عليه الإنسان، سواء كانت حقوقًا مالية، أو أسرارًا، أو مسؤوليات وظيفية، أو حتى الأمانات الشرعية كالدين والعهود.
.المبدأ الأخلاقي: الوفاء بالعهد، والصدق، والأمانة هي أساس بناء الثقة والمجتمع الصالح {1}.
2.وجوب الحكم بالعدل:
.المبدأ الأخلاقي: العدالة هي قيمة أساسية في الإسلام، وتتعلق بالمساواة بين الناس دون تمييز، وتطبيق الحق دون محاباة {1}.
.التطبيق: يمتد ليشمل القضاة، والولاة، وحتى الأفراد في تعاملاتهم اليومية.
3.الترغيب والترهيب:
."إن الله نعما يعظم به": فيه تحريض على الامتثال للأمر، وتأكيد على عِظَم هذه الوصايا.
."إن الله كان سميعًا بصيرًا": يربط بين الأفعال والمسؤولية أمام الله، فالله يسمع الأقوال ويُبصر الأفعال، وهو يراقب، مما يضمن تحقق العدالة.
=الخلاصة:
تتلخص المباحث الأخلاقية في هذه الآية الكريمة في ركيزتين أساسيتين هما قوام استقرار المجتمعات وصلاح الأفراد:
1. أمانة المسؤولية (أداء الأمانات):
.الشمولية: الأمانة لا تقتصر على الودائع المالية فقط، بل تشمل كل ما يُعهد به إلى الإنسان؛ من تكاليف شرعية، وحقوق عباد، وأسرار، ووظائف عامة، ومناصب قيادية.
.الاستحقاق (إلى أهلها): توجب الآية وضع الشيء في موضعه الصحيح، ومن أهم صورها إسناد الولايات والوظائف للأكفأ والأجدر، وهي قاعدة أخلاقية تمنع المحسوبية والفساد الإداري.
2. العدالة المطلقة (الحكم بالعدل):
.الشمول الإنساني: أمرت الآية بالعدل مع "الناس" كافّة، دون النظر لعرِق أو دين أو مذهب، فالعدل قيمة أخلاقية مطلقة لا تتبدل بتبدل الأشخاص.
.المساواة: وجوب التجرد من الهوى والميول الشخصية عند الفصل في الخصومات أو اتخاذ القرارات التي تمس حقوق الآخرين.
3. الرقابة الإلهية (الواعظ والمراقب):
.التزكية: خُتمت الآية بالتذكير بأن الله "سميع بصير"، لترسيخ "الرقابة الذاتية" في نفس المؤمن؛ فالدافع للأمانة والعدل ليس الخوف من القانون فحسب، بل استشعار مراقبة الله الذي يسمع الأقوال ويرى الأفعال والنيات. و الآية ترسم منهجاً أخلاقياً يربط بين "النزاهة الشخصية" (الأمانة) و**"الاستقامة الاجتماعية"** (العدل)، وتعتبرهما أسمى المواعظ الإلهية لتحقيق الحياة الكريمة. و الآية ترسي قواعد العدل والنزاهة والمسؤولية، وتؤكد أن الله رقيب على عباده في أداء حقوق الأمانة والعدل بين الناس. و هي: الالتزام المطلق بالعدل والوفاء، سواء في الحقوق الشخصية أو العامة، وتتمثل في شقين رئيسيين: أداء الأمانات إلى أهلها (بمفهومها الشامل كمسؤوليات وحقوق) و التحاكم بالعدل بين الناس، وتختتم بـ "إن الله كان سميعاً بصيراً" لتأكيد علم الله بمراقبة هذه الأوامر، مما يجعلها أساساً متيناً للعدالة الاجتماعية والنزاهة الأخلاقية.
=المحاور الأخلاقية الأساسية:
1.الأمانات (الوفاء بالعهد والمسؤولية):
.الشمولية: تشمل أمانات الدين (العبادات)، والمال (الودائع، الديون)، والأسرار، والمناصب، والمسؤوليات الاجتماعية، والعهود.
.الأداء: الأمر بأداء الأمانات لأصحابها يدل على وجوب الإخلاص والنزاهة وعدم الخيانة، وهي أساس الثقة المجتمعية.
=العدل في الحكم (الإنصاف في القضاء):
.النزاهة القضائية: إذا توليت القضاء، فاحكم بالعدل، لا بالميل أو الهوى، لضمان حقوق الناس.
.المساواة: العدل بين الناس دون تفريق أو محاباة.
=الرقابة الإلهية (السمع والبصر):
.التذكير والمحفز: "إن الله نعما يعظكم به" (أي خير ما يعظكم به)، و"إنه كان سميعاً بصيراً" هي ترغيب وترهيب؛ الله يسمع كل قول ويبصر كل فعل.
.المسؤولية الذاتية: هذه المراقبة تجعل الفرد يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه أحد، وتجعل الحاكم يخشى الظلم. و الآية تدعو إلى مجتمع يقوم على أسس متينة من الثقة، والنزاهة، والإنصاف، والرقابة الذاتية، حيث يكون كل فرد أميناً في مكانه، وكل حاكم عادلاً، وكل ذلك تحت سمع وبصر الله. و هذه الآية هي جوهر الأخلاق الإسلامية التطبيقية، التي تدعو إلى المسؤولية المطلقة والنزاهة الكاملة تحت رقابة الله، لضمان حياة كريمة وعادلة للجميع. "وفي الختام، يتضح أن الآية الكريمة قد أرست دعامتين أساسيتين لاستقرار المجتمعات وصلاح الإنسانية: الأمانة والعدل. فبالأمانة تُحفظ الحقوق وتُبنى الثقة بين الأفراد، وبالعدل تستقيم موازين الحكم وتتحقق الطمأنينة الاجتماعية. و إن الربط الإلهي في ختام الآية بين هذه الأوامر وبين صفات الله (سميعاً بصيراً) يضع الضمير الإنساني أمام رقابة ذاتية مستمرة، تتجاوز حدود القوانين الوضعية إلى رحاب الورع الأخلاقي. وبذلك، لا تُعد أداء الأمانات وتحري العدل مجرد واجبات مدنية، بل هي عبادات وقيم أخلاقية عليا تضمن توازن الفرد وصلاح الجماعة، مما يجعل من هذا المنهج القرآني ميثاقاً أخلاقياً عالمياً صالحاً لكل زمان ومكان." و آخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين و صلى اللهُ على الصادق الأمين محمدٍ و آلهِ الطاهرين
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب/ د. عبد الجليل البصري
الثلاثاء 2رجب الأصب1447هــ
الموافق23/12/2025مــ