عنوان المقال/ تأملات أخلاقية – الإخلاص القسم الثاني:-
عنوان المقال/ تأملات أخلاقية – الإخلاص القسم الثاني:- مقالات

عنوان المقال/ تأملات أخلاقية – الإخلاص القسم الثاني:-

أعوذ بالله السميع العليم
من الشيطان اللعين الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب الأرض ورب السماء، خلق آدم وعلمه الأسماء. وأسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة دار البقاء. وحذره من الشيطان ألد الأعداء، ثم أنفذ فيه ما سبق به القضاء، فأهبطه إلى دار الابتلاء. وجعل الدنيا لذريته دار عمل لا دار جزاء، وتجلت رحمته بهم فتوالت الرسل والأنبياء. وما منهم أحد إلا جاء معه بفرقان وضياء، ثم ختمت الرسالات بالشريعة الغراء. ونزل القرآن لما في الصدور شفاء، فأضاءت به قلوب العارفين والأتقياء. وترطبت بآياته ألسنة الذاكرين والأولياء، ونهل من فيض نوره العلماء والحكماء. نحمده تبارك وتعالى على النعماء والسراء، و نستعينه على البأساء والضراء. ونعوذ بنور وجهه الكريم من جَهد البلاء، ودرك الشقاء، وعضال الداء، وشماتة الأعداء. ونسأله عيش السعداء، وموت الشهداء، والفوز في القضاء، وأن يسلك بنا طريق الأولياء الأصفياء. والصلاة والسلام على الإمام المجتبى والرسول المصطفى، وعلى آله الذين كانوا شعاع شمسه الربانية، ومجلى أنواره الرحمانية، ومجمع أسراره العرفانية، وعلى أصحبه المجتبين الذين رضي الله عنهم في محكم الآيات القرآنية. و بعد . . .
تأملات أخلاقية – الإخلاص القسم الثاني:-
قال تعالى { هُوَ ٱلَّذِی یُسَیِّرُكُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰۤ إِذَا كُنتُمۡ فِی ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَیۡنَ بِهِم بِرِیحࣲ طَیِّبَةࣲ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَاۤءَتۡهَا رِیحٌ عَاصِفࣱ وَجَاۤءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانࣲ وَظَنُّوۤا۟ أَنَّهُمۡ أُحِیطَ بِهِمۡ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ لَىِٕنۡ أَنجَیۡتَنَا مِنۡ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِینَ }[ يونس22]
* المبحث الأخلاقي لهذه الآية الكريمة:
يتجلى المبحث الأخلاقي في هذه الآية الكريمة من خلال عدة ركائز تربوية وسلوكية تعالج النفس البشرية، وأبرزها:
1. إخلاص الاضطرار وذم "إخلاص الأزمات":
تُظهر الآية تناقضاً أخلاقياً لدى الإنسان؛ وهو اللجوء إلى الإخلاص التام لله والصدق في الدعاء فقط عند وقوع الكرب (ظنوا أنهم أحيط بهم)، بينما ينبغي أخلاقياً أن يكون الإخلاص مستداماً في الرخاء والشدة.
2. فضيلة الشكر والوفاء بالعهد:
تبرز الآية خُلُق "الشكر" كالتزام أخلاقي قطعه الإنسان على نفسه (لنكونن من الشاكرين). المبحث هنا ينتقد إخلاف الوعد مع الخالق، حيث يَعِدُ الإنسان بالاستقامة والشكر وقت الأزمة، ثم ينكث ذلك بمجرد النجاة.
3. التواضع ونبذ الاستعلاء:
تُذكر الآية الإنسان بضعفه المادي (البحر، الريح العاصف، الموج)، وهي دعوة أخلاقية للتواضع ونبذ الغرور؛ فمهما بلغت قدرة الإنسان في تسيير السفن وبناء الحضارة، يظل تحت قهر القوى الإلهية.
4. نقد الازدواجية السلوكية:
تُعالج الآية مرض "النفاق الفطري" أو الازدواجية؛ حيث يخلص الإنسان دينه لله في الباطن وقت الخطر، لكنه يعود للشرك أو الغفلة في الظاهر وقت الأمان، مما يعد خللاً في الموثوقية الأخلاقية والصدق مع الذات.
5. الابتلاء كأداة لتصحيح المسار:
من الناحية الأخلاقية، تُشير الآية إلى أن الشدائد وسيلة لتنبيه الضمير وإيقاظ الفطرة السليمة (الإخلاص) التي قد تطمسها النعم والرفاهية (الريح الطيبة). إذاً المبحث الأخلاقي لهذه الآية الكريمة يركز على إخلاص التوحيد في الشدة، وبيان ضعف الإنسان وحاجته لله، ووجوب الوفاء بالعهد، وخطورة الشرك في الرخاء، حيث تظهر الآية كيف أن المشركين يخلصون الدعاء لله وحده عند نزول الكوارث، وينسون شركهم في الرخاء، وتؤكد أن التوحيد هو الفطرة التي يرجع إليها الإنسان عند الضرورة، وتذكير للمؤمنين بوجوب الشكر الدائم لله على نعمه، وليس فقط عند زوال المحن، وتدعو إلى عدم التعلق بالمخلوقين والانقطاع لله وحده في الشدائد.
=أهم الدروس الأخلاقية:
.ضعف الإنسان وافتقاره لله: يبيّن الله أنه هو الذي يسير الناس في البر والبحر، وأنهم عند الشدة ينسون أسباب الأرض ويتعلقون بالله وحده.
.إخلاص التوحيد عند الضرورة: عندما أحاط بهم الموت، دعوا الله مخلصين له الدين، وهذا دليل على أن التوحيد أصل الفطرة البشرية، وأن الشرك طارئ وغريب عنها، كما أشار تفسير السعدي.
.الوفاء بالعهد والشكُر: يتعهدون بأن يكونوا من الشاكرين إن نجاهم الله، وهو درس في أهمية الوفاء بالعهد لله وتحقيق الشكر العملي (بالطاعات) وليس فقط اللفظي.
.التناقض بين الرخاء والشدة: المشرك يدعو غير الله في الرخاء ويخلص لله في الشدة، وهو حال أسوأ من حال المشركين الأوائل الذين كانوا يخلصون في الضراء، كما ذكر الألوسي.
.أهمية الانقطاع التام للمخلوقين: في تلك اللحظات يدرك الإنسان أن لا مغيث إلا الله، وينقطع تعلق قلبه بغيره، وهو درس للمؤمنين للاعتراف بالله وحده في كل الأوقات. الآية تذكير قوي بأن الله هو المنجي الوحيد، وأن تعلق القلب به وحده هو سبيل النجاة، وأن الشكر الحقيقي هو الثبات على الإخلاص في كل الأحوال، لا فقط عند غياب الخطر. اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، وطهر قلوبنا من النفاق والغرور، وأعمالنا من الرياء والعجب، وألسنتنا من الكذب والسوء.
اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل، وكلمة الحق في الغضب والرضا، وخشيتك في الغيب والشهادة. اللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة لوجهك الكريم يا ربنا خالصة، ولا تجعل لأنفسنا ولا للدنيا ولا للشيطان منها حظاً ولا نصيباً، وتقبلها كلها بقبول حسن يا رب العالمين. اللهم إني أسألك بصاد الصدق والصبر، وبميم الملك والمجد، وبياء اليقظة واليقين، أن تجعلني صادقاً صدوقاً صديقاً... و أجعلني عوناً لي على صلاح أحوالي الدنيوية و الأخروية من غير عائد لي بمضرة أبداً يا من لم يلد ولم يولد و لم يكن لهُ كفواً أحد برحمتك يا أرحم الراحمين و صلى الله على محمدٍ و آلهِ الطاهرين.
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب/ د. عـبـد الجلـيـل الـبـصـري
الأحد 29جمادي الآخرة1447هــ
الموافق21/12/2025مــ