عنوان المقال/ تأملات أخلاقية- الإخلاص القسم الثالث:
أعوذ بالله السميع العليم
من الشيطان اللعين الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدى للخير سبيلا، وأقام للحق حجة ودليلا، نبيّا إماما هاديا ورسولا، من كتب له خير الآخرة وخير الأولى، وجعله نبراسا وسراجا منيرا، وأتم به فضلا كثيرا، ووهبه مقاما عظيما، وجعله بالمؤمنين رؤوفا رحيما. صلى الله عليه و آلهِ و سلم.
تأملات أخلاقية/ الإخلاص القسم الثالث:
قال تعالى ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِی ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ یُشۡرِكُونَ ﴾ [العنكبوت ٦٥]
* المبحث الأخلاقي لهذه الآية الكريمة:
الميثاق الأخلاقي المستنبط من هذه الآية (العنكبوت: 65) يتمحور حول "أدب الاستقامة والوفاء بالعهد"، ويمكن تلخيصه في النقاط التالية:
1. الإخلاص الدائم لا الموسمي:
تنتقد الآية "الإخلاص الانتقائي" الذي يظهر فقط عند الشدائد. الميثاق الأخلاقي هنا يدعو إلى أن يكون صدق الإنسان مع خالقه ومع نفسه ثابتاً في الرخاء كما هو في الشدة.
2. الوفاء بالعهود (الصدق مع الذات):
حين يركب الإنسان البحر ويواجه الخطر، يعاهد نفسه وخالقه على الصلاح. الرجوع عن هذا العهد عند الوصول إلى "البر" (الأمان) يُعد خيانة للأمانة الأخلاقية ونقضاً للوعد.
3. ذمّ "النفعية" في التعامل:
تحذر الآية من السلوك النفعي الذي يتذكر القيم والمبادئ فقط عندما يحتاج إليها، فإذا نال مراده وتنفس الصعداء، تنكر لتلك القيم.
4. فضيلة الشكر ومقابلة الإحسان بالإحسان:
الآية تشير إلى سوء المقابلة؛ فالله منحهم "النجاة"، وهم قابلوها بـ"الإشراك". أخلاقياً، يجب أن يُقابل المعروف بالاعتراف والامتنان، لا بالإنكار والجحود. جوهر الميثاق هو "الاستقامة"؛ أي أن لا تتغير قيم الإنسان وأخلاقه بتغير حالته المادية أو النفسية، فلا يكون مؤمناً عند الحاجة ومستغنياً عند الكفاية.
.باختصار: الميثاق الأخلاقي للآية هو "الصدق مع الله ومع النفس في كل الظروف، والوفاء بالالتزامات الإيمانية التي نقطعها على أنفسنا وقت الشدائد. يكمن في كشف نفاق الإنسان وتناقض سلوكه، حيث يخلص لله في أوقات الشدة والضيق (كالبحر الهائج) لكنه ينسى عهده ويدرك ويشرك بالله (يعبد الأصنام والآلهة) بمجرد زوال الخطر والوصول إلى الأمان (البر)، وهو درس عن ضرورة الثبات على التوحيد والإخلاص لله في السراء والضراء وعدم نسيان النعمة، وأن الإيمان الحقيقي هو الذي يظهر في كل الأحوال لا في وقت الحاجة فقط، كما يبين أن الكفار والمشركين يقرون بربوبية الله في شدائدهم ثم يشركون في رخائهم.
يكمن في كشف نفاق الإنسان وتناقض سلوكه، حيث يخلص لله في أوقات الشدة والضيق (كالبحر الهائج) لكنه ينسى عهده ويدرك ويشرك بالله (يعبد الأصنام والآلهة) بمجرد زوال الخطر والوصول إلى الأمان (البر)، وهو درس عن ضرورة الثبات على التوحيد والإخلاص لله في السراء والضراء وعدم نسيان النعمة، وأن الإيمان الحقيقي هو الذي يظهر في كل الأحوال لا في وقت الحاجة فقط، كما يبين أن الكفار والمشركين يقرون بربوبية الله في شدائدهم ثم يشركون في رخائهم.
=ملخص الميث الأخلاقي:
1.الإخلاص المؤقت: الإنسان يظهر الإخلاص الكامل لله عند مواجهة خطر الموت (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين).
2.العودة للشرك: بمجرد زوال الخطر والوصول إلى الأمان، يعود الإنسان إلى شركه وعبادة غير الله (فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون).
3.كشف حقيقة النفاق: الآية تكشف زيف إيمان هؤلاء، وأن إخلاصهم لم يكن لله لذاته بل لخوفهم من الهلاك.
4.درس للمؤمنين: دعوة للمؤمنين للثبات على التوحيد وعدم الوقوع في فخ النفاق، وأن يكون إيمانهم راسخاً في الشدة والرخاء معاً.
5.اعتراف ضمني بالربوبية: حتى المشركين يقرون بأن الله هو من ينجي في الشدائد، ولكنهم يشركون به في العبادة وقت السعة، وهو تناقض عظيم.
ز يركز هذا المبحث على نقص الإيمان وشرك المنافقين أو ضعاف الإيمان الذين يظهرون الإخلاص لله وقت الشدة فقط، ثم يعودون للشرك والانشغال بالدنيا والشركاء (الأوثان أو الأولياء) عند زوال الخطر والرخاء، مبرزين تناقض السلوك مع الإيمان الحق، وتذكيرًا بأن الإخلاص لا يكون في وقت الشدة فقط بل في كل الأحوال، وأن الإيمان الحقيقي يقتضي الثبات على التوحيد وعدم الانزلاق للشرك حتى عند زوال المحن، وهو ما يظهر افتقارهم للتوحيد الخالص.
= أهم المحاور الأخلاقية:
1.صدق الإخلاص: الآية تفضح الذين يدعون الإخلاص لله وقت الشدة (ركوب الفلك ودعاء الله مخلصين)، لكن هذا الإخلاص زائف وغير ثابت، فإخلاصهم مؤقت مرتبط بزوال الخطر، وليس نابعًا من قلب موحد حقًا.
2.ظاهرة النفاق أو ضعف الإيمان: تمثل الآية حال المنافقين أو ضعاف الإيمان الذين يظهرون الإيمان عند الحاجة، ولكن عند زوال الضرورة يعودون لما كانوا عليه من الشرك، وهذا سلوك يتناقض مع جوهر الإيمان، كما يذكر تفسير الطبري تفسير سورة العنكبوت الطبري (1).
3.الابتلاء والاختبار: الآية تضرب مثالاً على سنة الابتلاء والاختبار؛ فالله يختبر الناس في السراء والضراء، وهؤلاء في الشدة يظهرون التوحيد، وفي الرخاء يشركون، مما يكشف حقيقة قلوبهم.
4.التذكير بالتوحيد الدائم: هي دعوة للثبات على التوحيد والإخلاص لله في كل حال، لأن الله هو المنجي في الشدة والرخاء، والإشراك بعد النجاة هو كفران للنعمة وجحود للحق تفسير سورة العنكبوت الطبري.
و تتناول هذه الآية الكريمة .عدة مباحث أخلاقية وتربوية عميقة تتعلق بطبيعة النفس البشرية وعلاقتها بالخالق، ومن أبرزها:
1. الإخلاص الاضطراري مقابل الجحود عند الرخاء:
تُبرز الآية تناقضاً أخلاقياً يتمثل في "إخلاص الأزمة"؛ فالبشر يميلون فطرياً للتوجه إلى الله بصدق كامل عند وقوع الخطر (ركوب الفلك وتلاطم الأمواج)، لكن بمجرد زوال الخطر (النجاة إلى البر)، يعودون لممارساتهم السابقة. أخلاقياً، يُذم هذا السلوك بوصفه نوعاً من الاستغلال أو عدم الاستقامة في المبدأ.
2. ظاهرة "نسيان النعمة":
تشير الآية إلى رذيلة أخلاقية وهي "نكران الجميل". فبدلاً من أن يكون إنقاذهم دافعاً لمزيد من الشكر والالتزام، كان الرد هو الإشراك. وهذا يعكس ضعف الوفاء الأخلاقي تجاه المنعم.
3. الفطرة السليمة والصدق مع الذات:
المبحث الأخلاقي هنا يؤكد أن "الإخلاص" هو الأصل الكامن في الفطرة؛ ففي لحظات الحقيقة التي يغيب فيها الجاه والمال والقوة، لا يجد الإنسان ملجأً إلا الله. الأخلاق القرآنية تدعو هنا إلى أن يكون هذا الصدق مستمراً في الرخاء كما هو في الشدة، وليس مجرد رد فعل مؤقت.
4. النفاق السلوكي:
تصف الآية حالة من الازدواجية؛ فالإنسان قد يظهر التقى والعبادة الخالصة في الظروف الصعبة، لكنه يفتقر للثبات الأخلاقي. الثبات على المبدأ (التوحيد والإخلاص) هو القيمة الأخلاقية المفقودة لدى هؤلاء.
5. الغرور الإنساني:
العودة للإشراك عند الوصول للبر تعكس شعوراً زائفاً بالأمان وقوة الذات، وهو مبحث يتصل بمرض "الكبر" والاعتقاد بأن النجاة كانت بفضل الأسباب المادية فقط، وتجاهل المسبب الأول.
=الخلاصة:
الميثاق الأخلاقي الذي تضعه الآية هو (الاتساق السلوكي)؛ أي ألا تتغير مبادئك وأخلاقك بتغير ظروفك المادية أو النفسية. و الآية تدعو الإنسان إلى "أخلاق الاستقامة"، وهي أن يكون حاله مع الله في السراء كحاله في الضراء، وأن يحذر من تقلب النية المرتبط بالمصلحة الشخصية الزائلة. يبرز تناقض الإنسان: الإخلاص التام في الشدائد والضيق، والشرك والنسيان والتغافل عن الله في أوقات الرخاء والنجاة، مما يكشف عن ضعف الإيمان وتأثر النفس بالظروف، ويدعو إلى الثبات على التوحيد والاستقامة الدائمة، وعدم اقتصار العلاقة بالله على وقت الحاجة، بل تكون لله وحده في كل الأحوال، فالإخلاص لا ينفع في موقف ثم يُنسى في آخر. الى هنا أنتهى المبحث في هذه الآية الكريمة و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آلهِ الطاهرين.
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب/ د. عبد الجليل البصري
الإثنين 1رجب1447هــ
الموافق22/12/2025مــ