عنوان المقال/ تأملات أخلاقية/ الجهاد الأخلاقي- الفصل الأول:
عنوان المقال/ تأملات أخلاقية/ الجهاد الأخلاقي- الفصل الأول: مقالات

عنوان المقال/ تأملات أخلاقية/ الجهاد الأخلاقي- الفصل الأول:

أعوذ بالله السميع العليم
من الشيطان الغوي اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل السماء سقفاً محفوظاً، شيد بنيانها، ووثق أركانها، فأمنها من التهافت، وبراها من التفاوت: " فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين، ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير " . وصير لونها أوفق الألوان لأبصار الناظرين، وأحلاها في أنفس المتوسمين، وحبرها بالنجوم، وطرزها بالرجوم، وبيض أعلام صبحها، وسود ذوائب ليلها، وجلا غرة شمسها، ومسح صفحة قمرها، وقدره في منازله، وخالف بين مناظره، لتعملوا عدد السنين والحساب، ما خلق الله ذلك إلا بالحق, وصلى الله على سيدنا محمد، سيد الأنبياء، وأكرم الأصفياء، وعلى عترته الهادين المهديين وصحبه المنتجبين المختارين وسلم تسليماً كثيراً.
تأملات أخلاقية/ الجهاد الأخلاقي- الفصل الأول:
 ﴿ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [ العنكبوت: 6]
*المبحث الموضوعي للآية الكريمة:
حقيقة الجهاد وثمرته"، ويندرج تحت المحاور التالية:
١. ذاتية النفع في الطاعة: أن ثمرة الجهاد والعمل الصالح تعود على العبد نفسه بصلاح حاله في الدنيا وفوزه في الآخرة، ولا ينفع اللهَ طاعةُ أحد.
٢. غنى الخالق عن الخلق: تقرير عقيدة غنى الله المطلق عن سائر المخلوقات (العالمين)، فتكليفه للعباد بالجهاد هو لمصلحتهم واختبار لصدقهم، وليس لحاجة به إليهم.
٣. الابتلاء والصبر: تأتي الآية في سياق الحديث عن الفتنة والابتلاء، لتبين أن الصبر والمجاهدة هما وسيلة المؤمن لتزكية نفسه وتثبيتها. و يدور حول أن الجهاد، سواء كان جهاد النفس والهوى أو جهاد العدو، هو منفعة خالصة للمجاهد نفسه؛ لأن الله غني عن العالمين، وثواب المجاهد وعظيم الأجر يعود بالكامل على من قام بالجهاد، وهو لتزكية النفس وتكميلها وإصلاح حالها في الدنيا والآخرة، ويؤكد أن الله لم يأمر بذلك لحاجة إليه، بل رحمة ورفعة لمن أطاعه.
=الأبعاد الموضوعية:
1.حقيقة الجهاد وثمرته: الجهاد (بمعنى بذل الجهد في سبيل الله، سواء بالقتال أو مجاهدة النفس والأعداء) ليس نفعاً لله، بل يعود نفعه وثمرته على المجاهد نفسه، فالله غني عن أعمال العباد جميعاً.
2.تعليل إلهي: الآية تعلل لماذا يبتلي الله المؤمنين ويأمرهم بالجهاد والفتنة؛ ليميز الصادق من الكاذب، وليصقل نفوسهم ويصلحها ويرفعها، كما قال تعالى {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}.
3.تأكيد غنى الله: ختمت الآية بـ "إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" للتأكيد على أن أوامر الله ونواهيه هي لصالح العباد، ولم يشرك بها أحداً ولم يأمر بها لحاجة منه، فملكوت السماوات والأرض لله وحده.
4.المجاهدة بمعناها الواسع: تشمل مجاهدة النفس والشيطان والعدو الكافر، وتُصوّر الجهاد على أنه نعمة عظيمة وفوز كبير، وهو فرصة يمنحها الله لعباده لنصرة دينه وإصلاح أنفسهم.
5.الربط بما قبلها وما بعدها: تأتي الآية بعد ذكر الفتنة والتكليف، وتسبق آيات عن الإيمان والعمل الصالح، لتبين أن كل ذلك اختبار لتصحيح مسار العبد وتقوية إيمانه ونفعه الذاتي.
بشكل مبسط، المعنى: "يا أيها الإنسان، من يجتهد في طريق الله، فإنه يجتهد لنفع نفسه، ولهذا النفع الأجر العظيم، لأن الله سبحانه وتعالى ليس محتاجاً لجهاد أحد وهو الغني عن كل شيء".
*المبحث الأخلاقي للآية الكريمة:
تتضمن الآية السادسة من سورة العنكبوت مباحث أخلاقية وتربوية عميقة، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
1. المسؤولية الفردية والاستقلال الأخلاقي:
تؤكد الآية أن ثمرة العمل الأخلاقي والجهاد (سواء كان جهاداً للنفس أو جهاداً خارجياً) تعود على الإنسان نفسه. فالإنسان هو المستفيد الأول من تزكية نفسه واستقامته، مما يرسخ مبدأ "المسؤولية الشخصية" في السلوك.
2. الغنى الإلهي كمنطلق للعبادة:
بينت الآية أن الله سبحانه "غني عن العالمين"، وهذا يؤصل لمفهوم أخلاقي هام: أن التكاليف الشرعية ليست لحاجة الخالق، بل هي وسائل لترقية المخلوق. هذا الفهم ينزه العلاقة بين العبد وربه عن صورة "المقايضة" ويجعلها علاقة رعاية وتكامل للعبد.
3. الارتباط بين الجهد والنتيجة:
كلمة "يجاهد" تشير إلى بذل المشقة. والمبحث الأخلاقي هنا يربط بين "المعاناة في فعل الخير" وبين "النفع الذاتي"، مما يحفز الفرد على الصبر على المكاره الأخلاقية؛ لأن عائدها ليس ضائعاً، بل هو بناء لشخصيته وفوز لآخرته.
4. نفي المنّ في العمل:
بما أن نفع الجهاد يعود للنفس، فليس للمؤمن أن يمنّ بعمله على الله أو على الناس. فالغنى الإلهي يقطع طريق العجب والرياء في النفس البشرية، ويجعل العبد في حالة تواضع دائم.
5. مفهوم الجهاد النفسي (الأكبر):
يرى علماء الأخلاق أن الآية تشير بوضوح إلى "جهاد النفس"، وهو كفّها عن الشهوات وإلزامها بالفضائل. فكلما جاهد الإنسان رغباته الدنيئة، كان ذلك استثماراً في "ذاته" الحقيقية الباقية. و ، حيث تؤكد أن المجاهدة (سواء كانت قتالًا أو جهادًا للنفس ضد الهوى والمشقة) تعود منافعها بالدرجة الأولى على ، فهي ترفع من شأنها، وتكمل فضائلها، وتُصلح أمرها في الدنيا والآخرة، ولا يحتاج الله سبحانه وتعالى لهذا العمل، لأنه {غني عن العالمين}، مما يربط بين الأجر الأخروي والعمل الذاتي للفرد وتصحيح النية.
=المحاور الأخلاقية:
1.:
.المعنى: الجهاد ليس لغاية في ذات الله (لأنه غني)، بل هو لمصلحة الإنسان، فهو يرفع من روحه، ويُصقِل شخصيته، ويحقق له الفوز الأخروي.
.التطبيق الأخلاقي: يشجع على العمل الصالح وتأدية الواجبات الدينية والاجتماعية (كالجهاد في سبيل الحق) ليس من باب التكليف فقط، بل من باب تحقيق الذات والنماء الروحي.
2.:
.المعنى: كل عمل صالح يعود نفعه على صاحبه (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ)، فالجهاد يرفع المجاهد فوق الشح بالنفس، ويحقق له الكمال النفسي، ويهيئه لنصرة دينه.
.التطبيق الأخلاقي: يرسخ مفهوم أن الأخلاق الفاضلة ليست مجرد طاعة، بل هي استثمار في الذات وتطوير لها، ويُحفز على السعي نحو الكمال.
3.:
.المعنى: هذه الجملة (إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) هي تأكيد على أن أعمال العباد لا تنفع الله ولا تضره، وهي تبرز عظمة الله وكمال غناه.
.التطبيق الأخلاقي: يربط العمل الصالح بالمسؤولية الفردية، ويحرر العمل من رغبة إرضاء الخالق بشكل مباشر، ويجعله هدفًا لتحقيق السعادة والنجاة الذاتية في الدنيا والآخرة، فالله لا يحتاج لجهد العباد، بل هم من يحتاجون لنتائج جهادهم.
4.:
.المعنى: لا يقتصر الجهاد على القتال، بل يشمل مجاهدة النفس ضد الهوى، والألم، والتعب، وهذا النوع من الجهاد يرفع الإنسان ويُعظم قدره.
.التطبيق الأخلاقي: تدعو إلى الصبر على المشاق وتحمل التكاليف، واعتبار هذه الصعوبات جزءاً من عملية الإصلاح والتكميل الذاتي.
=خلاصة المبحث الأخلاقي:
الآية توجه الإنسان نحو أن يكون جهاده عملاً يخدم غايته الأخروية والدنيوية، وتؤكد أن العطاء الإلهي ليس مقابل حاجة منه، بل هو عطاء لمن يُكرم نفسه بالعمل الصالح، فالأجر يعود على المجاهد، والله غني عن العالمين، فلا يرجو من عباده نفعاً، بل ينفعهم بجهادهم.
و خلاصة القول، إنّ الفضائل و الرّذائل، و طبقاً لهذه النظرية و الرؤية، علامةٌ لسلامة و مرض الرّوح عند الإنسان، والأنبياء عليهم السلام والأئمّة المعصومين عليهم السلام، كانوا معلمي أخلاق، و أطباء نفسيين، و تعاليمهم تجسّد في مضمونها الدّواء النّافع و العلاج الشافي. و على هذا، فكما هو الحال في الطّب المادي، ولأجل الوصول إلى الشّفاء الكامل، يحتاج المريض إلى الدواء، و يحتاج إلى الحُمية من بعض الأكلات، فكذلك في الطّب النّفسي و الرّوحي الأخلاقي، يحتاج إلى الإمتناع عن أصدقاء السّوء، و المحيط الملّوث بالمفاسد الأخلاقيّة، و كذلك الإمتناع عن كلّ ما يَساعد على تفّشي الفساد، في واقع الإنسان النفسي، و محتواه الداخلي. فالطّب المادي جعل العمليّة الجراحيّة كعلاجٍ لبعض الحالات، و كذلك جعل الطّب‌. الرّوحي الحدود و التّعزيرات و العُقوبات كوسيلةٍ، ودواءٍ رادعٍ، عن الأعمال المنافيَة للأخلاق، و هي بِمنزلة إجراء العمليّة الجراحيّة في الطّب المادي. وكما نرى في الطّب المادي، أنّه جعل العلاج في مرحلتين، مرحلة الوقاية: و هي المحافظة على الصّحة البدنيّة، و الثّانية: مرحلة العلاج للمريض، فكذلك في الطّب الرّوحي و الأخلاقي، يمرّ بمرحلتين: مرحلة الإرشاد والتعليم من قبل معلمي الأخلاق، للمحافظة على نفوس الناس من التلّوث بالرذائل، و الثّانية: مرحلة العلاج للمذنبين الملوّثين بالرّذائل. و ما جاء في الخطبة (108) من نهج البلاغة، في وصف الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و معالجاته بالمراهم والكيّ للجروح، يبيّن مدى‌ التّنوع في الطّب الرّوحي، كما هو الحال في الطّب المادي. ففي الطّب المادي (الجسماني)، توجد مجموعة إرشاداتٍ و أوامر كليّة لعلاج الأمراض، و قسمٌ من الأوامر التي تخص كلّ مرض بذاته، فكذلك الطّب الرّوحي، فالتّوبة و ذكر اللَّه والعبادات الاخرى، والمحاسبة والمراقبة للنفس، هي اصولٌ كليّةٌ للعلاج، وكلّ مرضٍ أخلاقي، نجد الأوامر والإرشادات الخاصة به، مذكورةٌ في الكتب الإسلاميّة و الأخلاقيّة.
و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آل محمد
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب
د. عبد الجليل البصري