عنوان المقال/ { شرف العلم و فضل العلماء}
السلام عليكم إخوةَ الإيمان و رحمة الله و بركاته
... باسمكم جميعاً نرفع أزكى آيات و التهاني و أسمى التبريكات الى مقام سيدنا و مولانا الإمام المهدي الحجة بن الحسن ( عجل ) و الى علمائنا الاعلام و لجميع الموالين للآل البيت ( عليهم السلام ) بولادة الإمام السادس من أئمة الهدى الإمام جعفر بن محمدٍ الصادق (عليه السلام) .
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
توكل على الله رب العالمين و صلى الله على خير الخلق أجمعين محمدٍ و آله الميامين
{ اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الحُجَّةِ بْنِ الحَسَنِ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَعَلى آبائِه فِي هذِهِ السّاعَةِ وَفِي كُلِّ ساعةٍ وَلِيّاً وَحافِظاً وَقائِداً وَناصِراً وَدَلِيلاً وَعَيْناً حَتّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعاً وَتُمَتِّعَهُ فِيْها طَوِيلاً. برحمتك يا أرحم الراحمين و صلِ يا رب على محمدٍ و آله الطاهرين}.
قال تعالى :- { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ }
للعلم مكانة عالية في الإسلام ويكفي للتدليل على ذلك أن أول ما نزل من القرآن من كلماته قوله تعالى هي كلمة “إقرأ”، كما أنه صفة من صفات الله جل جلله: {وهو السميع العليم} (العنكبوت: 13)، وقد أمر به عز وجل قبل العمل، وأمر الرسول (ص ) بطلب الاستزادة منه فقال: {وقل رب زدني علما} (طه:114). فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن مكانة العلم في الإسلام لا تدانيها مكانة وقال الله أيضا في كتابه : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ }(الزمر:9) . ولقد أوضح رسول الله (ص ) مكانة العلم وفضيلة طلب العلم في حديث يدفع كل من قرأه بتدبر إلى المسارعة في طلب العلم وإفناء العمر في سبيل تحصيله فقال : “من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله تعالى به طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإنه يستغفر للعالم من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب إن العلماء ورثة الأنبياء و إن الأنبياء لم يورثوا دينار ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن اخذ به اخذ بحظ وافر قيل ، تعلموا العلم فإن تعلمه خشية ، وطلبه عبادة ، و مدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد ،وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة ، وهو الأنيس في الوحدة ، والصاحب في الخلوة ، والدليل على الدين والصبر على الضراء والسراء والقريب عند الغرباء ، ومنار سبيل الجنة ، يرفع الله به أقواما في الخير فيجعلهم سادة هداة يقتدى بهم ،أدلة في الخير تقتفى آثارهم وترمق أفعالهم ، وترغب الملائكة في خلتهم ،وبأجنحتها تمسحهم ،لأن العلم حياة القلوب ونور الأبصار ، به يبلغ الإنسان منازل الأبرار ، وبه يطاع الله عز وجل وبه يعبد وبه يوحد ، وبه يمجد وبه تواصل الأرحام ، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء. ورد عن الإمام جعفر الصّادق (ع) قال : «لَمَّا حَضَرَتْ أَبِي اَلْوَفَاةُ قَالَ: يَا جَعْفَرُ، أُوصِيكَ بِأَصْحَابِي خَيْرًا، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَاَللَّهِ لَأَدَعَنَّهُمْ وَاَلرَّجُلُ مِنْهُمْ يَكُونُ فِي اَلْمِصْرِ فَلاَ يَسْأَلُ أَحَدًا». تحمّل الإمام جعفر الصادق(ع) (83-148هـ) بعد وفاة أبيه الإمام محمد الباقر(ع) سنة 114هـ مسؤولية الإمامة الدينية، وقيادة النخبة الموالية لأهل البيت (ع) ، وكان في حوالي الثلاثين من عمره الشريف. وقد واجه عصرًا عاصفًا بالاضطرابات السّياسية والفكرية والاجتماعية، حيث تفجّرت الثورات ضدّ الحكم الأموي الذي أصابه الوهن والضعف، حتى سقط على أيدي العباسيين الذين آلت إليهم السّلطة، فلم يحقّقوا تطلّعات شعوب الأمة، بل كانوا نسخة أخرى من الحكم الأموي. مما دفع إلى اندلاع الثورات ضدّ العباسيين أيضًا. وكان من المتوقع أن يتوفر لأئمة أهل البيت وأتباعهم شيء من الهدوء والاستقرار في ظلّ الحكم العبّاسي الذي قام على الدعوة إلى الرّضا من آل محمد، كما أنّ بين العباسيين والعلويين صلة رحم، فجدُّهم العباس بن عبدالمطلب عمُّ علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، لكن ما حصل هو العكس من ذلك تمامًا، فقد ازدادت الضّغوط على أهل البيت وأتباعهم في العهد العبّاسي، حتى قال الشاعر:
تَاللهِ مَا فَعَلَتْ أُمَيَّةُ فِيهِمُ
مِعْشَارَ مَا فَعَلَتْ بَنُو العَبَّاسِ
وعلى الصّعيد الفكري فقد انتشرت الفرق والتيارات المختلفة في ساحة الأمة، واشتدّ الصّراع فيما بينها كالمعتزلة والأشاعرة والمرجئة والخوارج و الكيسانية والزيدية، وظهر الغلاة والزنادقة ودعاة الإلحاد.
*الاتّجاه للمعرفة والعلم
وفي مواجهة هذه الظروف السّياسية والتحدّيات الفكرية، وما تنتجه من مشاكل اجتماعية، راهن الإمام الصّادق على إنجازات العلم والمعرفة. فاتّجه بكلّ جهده وطاقته وما حباه الله من قدرات مميّزة لرفع مستوى أصحابه وأتباعه علميًّا ومعرفيًّا، ولنشر معارف الدين وعلوم الحياة في الأمة. وكان أبوه الإمام محمد الباقر قد بدأ هذه المسيرة الرائدة مغتنمًا فرصة ضعف السّلطة الأموية وانشغالها بمواجهة العبّاسيين، فاستقطب جمعًا من أبناء الأمة الطّامحين، وفتح لهم أبواب مدرسته العلمية، وقام بتربيتهم وتنشئتهم، وتنمية مداركهم ومواهبهم، ليكونوا رسل معرفة وهداية لأبناء الأمة. وحين أدركته الوفاة عهد إلى ابنه الإمام جعفر الصادق بمواصلة مسيرته، فالتزم لأبيه بإيصال هذه المسيرة إلى أعلى المستويات، ليصبح طلاب هذه المدرسة روّادًا في الأمة. وهذا ما تفيده الرّواية عنه «لَمَّا حَضَرَتْ أَبِي اَلْوَفَاةُ قَالَ: يَا جَعْفَرُ أُوصِيكَ بِأَصْحَابِي خَيْرًا، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَاَللَّهِ لَأَدَعَنَّهُمْ وَاَلرَّجُلُ مِنْهُمْ يَكُونُ فِي اَلْمِصْرِ فَلاَ يَسْأَلُ أَحَدًا» .
*التحفيز نحو المعرفة
لقد اهتمّ الإمام الصّادق(ع) بِحثّ من حوله على طلب العلم وتحصيل المعرفة؛ لأنّ المجتمع في حاجة لوجود الكفاءات العلمية .ورد عنه : «تَفَقَّهُوا فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يُحْتَاجَ إِلَيْكُمْ» .
عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ قَالَ: «لَوَدِدْتُ أَنَّ أَصْحَابِي ضُرِبَتْ رُؤوسُهُمْ بِالسِّيَاطِ حَتَّى يَتَفَقَّهُوا» . ويخصّ الشباب بالحثّ على طلب العلم والمعرفة حيث ورد عنه : «لَستُ اُحِبُّ أن أرى الشّابَّ مِنكُم إلَّا غاديًا في حالَينِ: إمّا عالِمًا أو مُتَعَلِّمًا، فإن لَم يَفعَلْ فَرَّطَ، فإن فَرَّطَ ضَيَّعَ، وإنْ ضَيَّعَ أثِمَ، وإن أثِمَ سَكَنَ النارَ، والذي بَعَثَ مُحمّدًا بِالحَقِّ»
*الجامعة العلمية الواسعة
وبهذا الحثّ والتّشجيع وبرعاية الإمام أصبحت مدرسته العلمية تضمّ ما يقارب 4000 طالب.
يقول الشيخ المفيد في الإرشاد: (إنّ أصحابَ الحديثِ قد جمعوا أَسماءَ الرُّواةِ عنه منَ الثِّقاتِ، على اختلافِهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعةَ آلافِ رجلٍ) . وألّفَ الحافظ أبو العباس بن عقدة المتوفى 230هـ كتابًا في تراجم أصحاب الإمام الصّادق فبلغ عددهم أربعة آلاف.
وقد خصّص الشيخ باقر شريف القرشي مجلّدًا في موسوعته عن حياة الإمام الصّادق في ذكر أسماء وتراجم أصحاب الإمام ورواة أحاديثه، فذكر منهم 3652 شخصًا. ويُصنّف الباحثون تلامذة الإمام الصّادق ضمن التخصّصات التالية:
1/ في العلوم الدينية: الفقه/ الحديث/ التفسير.
2/ في الفلسفة وعلم الكلام والحكمة والآداب.
3/ في علوم الطبيعة: الطب/ الكيمياء/ الفلك.
ومنهم بعض أئمة المذاهب كمالك وأبي حنيفة وسفيان بن عيينة، وكبار العلماء والفقهاء أمثال محمد بن مسلم، وزرارة بن أعين، والفقيه المتكلّم هشام بن الحكم، والعالم الكيمياوي جابر بن حيان.
*التفقه في الدين—
التفقه في الدين هو تعميق الفهم والعلم بما أنزل الله، وهو مفتاح لبصيرة الإنسان، وتمام العبادة، والوصول للمنازل الرفيعة، حيث وردت عن أئمة أهل البيت (ع) نصوص كثيرة تحث عليه وتعتبره من أفضل الأعمال وأهمها. يتضمن هذا الفهم معرفة العقائد، والأحكام الشرعية من الحلال والحرام، وهو ضروري ليقبل الله تعالى الأعمال ويجعل للإنسان نورا يمشي به في الناس.
*فضل العلم و العلماء—
فضل العلم والعلماء عظيمٌ في الإسلام وفي نهضة الأمم، فالعلم دليلٌ لطريق الجنة، وميراث الأنبياء، كما أنه سببٌ لرفع درجات المؤمنين ونورٌ للقلوب والعقول من الجهل والخرافات. وفضل العلماء يتجلى في كونهم قادة المجتمع ومناراته، والمرشدين للخير والصلاح. ويدل على فضل العلم والعلماء أن الملائكة تستغفر لطالب العلم، وأن الكائنات تُسَبِّح له، وأن العلم يزيد بالإنفاق والعطاء على عكس المال. و قد روي عن أمير المؤمنين (ع) "لركعة من عالم خير من سبعين ركعة من جاهل" و روي عن الامام الصادق عن رسول الله(ص) أنه قال [«مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلْماً سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِهِ وَإِنَّهُ يَسْتَغْفِرُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ النُّجُومِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلَا دِرْهَماً وَلَكِنْ وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»
"التاجر فاجر حتى يتفقه في دينه" هو قول مأثور متداول ويرجع إلى كلمات منسوبة للإمام علي (ع) في السوق، وتؤكد على ضرورة فهم التاجر لأحكام دينه لتجنب الغش والكذب في المعاملات،
حتى لا يقع بالحرام .
اللهم افتح لنا أبواب حكمتك، وانشر علينا رحمتك، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما يا كريم برحمتك يا أرحم الرحمين و صلِ يا رب على محمدٍ و آلهِ الطاهرين.
الخطيب
عبد الجليل الصري