تأملات أخلاقية/ القناعة
أعوذ بالله السميع العليم
من الشيطان الغوي اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدا كثيرا كما أمر و الصلاة و السلام على سيدنا محمد خير البشر و على آله الميامين الأنجم الغرر وصحبه المنتجبين مصابيح الدرر ما اتصلت عين بنظر ووعت اذن بخبر . أما بعد:
تأملات أخلاقية/ القناعة:
قال تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
*المباحث الأخلاقية للآية الكرية:
المبحث الأخلاقي في دعاء الآية الكريمة: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" يتجلى في القيم والمبادئ التالية:
1.الشمولية والتوازن: هذه الآية تعلمنا الأخلاق النبيلة في التوازن بين مطالب الدنيا والآخرة. فالمسلم لا ينبغي أن يكون منشغلاً بالدنيا وحدها (كالذين يطلبون "ربنا آتنا في الدنيا" فقط)، ولا أن يزهد في الدنيا بالكلية، بل يسعى للخير في كلا الدارين.
2.القناعة والشكر: الدعاء يعزز خلق القناعة والرضا بما يختاره الله للعبد، فـ "الحسنة" لفظ عام يشمل كل ما يحسن وقعه عند العبد من رزق حلال واسع، وزوجة صالحة، وذرية طيبة، وعلم نافع، وعمل صالح، وثناء جميل، وغيرها، وترك تحديد ذلك لله هو قمة الأدب والأخلاق.
3.النظر البعيد والمسؤولية: الدعاء يربي في المسلم البصيرة والنظر إلى العواقب، فطلب حسنة الآخرة والوقاية من عذاب النار يدل على الإيمان باليوم الآخر والمسؤولية عن الأفعال في الدنيا، مما يدفعه إلى عمل الصالحات وتجنب السيئات.
4.الافتقار إلى الله والتوحيد: في الدعاء إقرار بالعبودية والافتقار إلى الله وحده، وأنه هو مصدر كل خير في الدنيا والآخرة، مما يعمق الجانب الأخلاقي من التوكل على الله والإخلاص له.
5.الاعتدال في المطالب: هو دعاء يعلم المسلم الاعتدال في الطلب، ويحث على أن تكون جميع المطالب موصوفة بـ"الحسنة" أي الخير والصلاح، وهذا يقود إلى سلوك أخلاقي قويم في طلب المعاش والتعامل مع الآخرين.
6.الخوف من الله والتقوى: طلب الوقاية من عذاب النار يغرس في النفس خلق الخوف من الله والتقوى، مما يردع المسلم عن ارتكاب المعاصي والآثام.
7.الرحمة والتراحم: الدعاء بصيغة الجمع "ربنا آتنا" يشمل الداعي وإخوانه المسلمين، مما يعزز خلق الإخاء والمحبة والتراحم بين المؤمنين. و لذا تكمن الأخلاقيات المستفادة من الآية في طلب التوازن بين خيرَي الدنيا والآخرة، والتركيز على الخير الشامل بدل المصالح المادية المحضة، والتأكيد على أهمية الدعاء الجامع الذي يغطي جوانب الحياة الدينية والدنيوية. كما أن الآية تعلّم المسلم التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب، وطلب السلامة من النار والعذاب الأبدي كأسمى أمنياته.
*المعنى الأخلاقي والتطبيقي:
1.طلب الكمال الشامل: تدعو الآية إلى طلب "الحسنة" في الدنيا والآخرة، وهي كلمة جامعة تشمل كل ما هو خير، مثل: الزوجة الصالحة، الذرية الصالحة، الرزق الطيب، والعيش الكريم في الدنيا، بينما في الآخرة تشمل المغفرة، الجنة، رضا الله، ورؤيته.
2.الاعتدال والتوازن: الآية ترفض اقتصار الدعاء على المصالح الدنيوية فقط، كما كان يفعل بعض الناس، وتدعو إلى تحقيق التوازن بين خيري الدنيا والآخرة، وعدم إهمال الآخرة من أجل الدنيا.
3.الوقاية من الشر: تشتمل الآية على طلب الوقاية من عذاب النار، وهو أسمى غاية يسعى إليها المؤمن، فهي تطلب له النجاة من الشر الأكبر في الدنيا والآخرة.
4.التوكل والدعاء: الآية تؤكد على أهمية الدعاء والتضرع إلى الله في كل أمور الحياة، والاعتماد عليه في تحقيق الخير، مع السعي والعمل لتحقيق الأهداف.
5.جامع الدعاء: يُعدّ هذا الدعاء من جوامع الكلم، حيث يشمل خيرَي الدنيا والآخرة ويُبيّن عظمة الله وقدرته على تلبية احتياجات العباد في جميع جوانب حياتهم.
6.تطبيق عملي: فقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يدعو بهذا الدعاء، مما يجعله قدوة لنا في طلب الخير الشامل والنجاة من الشر.
*المفهوم الحقيقي و الأخلاقي للقناعة:
يدور المفهوم الأخلاقي للقناعة حول الرضا بما يُقسمه الله للفرد والاستغناء عما لديه، وهو خُلقٌ يدفع إلى الاكتفاء بالموجود والرضا بالقليل، ويتضمن ذلك عدم الإسراف أو التقتير. كما أن القناعة تختلف عن الغنى بأنها فضيلة قلبية بينما الغنى هو مجرد إمساك المال، وتُعتبر أساساً للسعادة وهدوء النفس.
*جوانب القناعة الأخلاقية
الرضا بما قسم الله: تتمثل القناعة في تقبل الإنسان لما أعطاه الله له والرضا به، وعدم السعي المبالغ فيه وراء ما في أيدي الآخرين.
-عدم الإسراف والتقتير: لا تعني القناعة التقتير والإمساك عن جميع الحاجات، بل هي التوازن بين الإسراف والتقتير والالتزام بالحاجة الأساسية، وهي من أعمال القلب التي تمنع من الاقتراض والديون.
-الاستغناء بالموجود: تعني القناعة التوقف عند حد الكفاية والاستغناء عما هو مطلوب، وعدم التطلع إلى المفقود، والرضا بالموجود.
-أساس للسعادة: القناعة هي أساس السعادة والراحة النفسية، حيث أن السعادة تكمن في الرضا والشخص القانع يجد سعادته في القناعة بما قسم الله له.
-دفع الحسد والطمع: تُعد القناعة سبباً أساسياً في دفع الحسد وامتلاك الآخرين، والرضا بالرزق الحلال، وعدم الغرق في بحر الطمع الذي لا يرتوي.
-تُبنى على القناعة الأخلاقية: القناعة الأخلاقية هي اعتقاد راسخ بأن شيئاً ما صحيح أو خاطئ، أخلاقي أو غير أخلاقي. وهي ما يدفع الشخص للالتزام بأفعاله بناءً على هذا الإيمان الراسخ، حتى في غياب الدليل المادي أو البرهان، وهو ما يُعدّ أساساً للأخلاق الحسنة.
*العلاقة بين القناعة والزهد
-الفرق بين القناعة والزهد: القناعة ترتبط بالرضا باليسير من العطاء، بينما الزهد هو ترك الدنيا والرغبة فيها.
-ترابط القناعة بالزهد: يوجد ترابط وثيق بين القناعة والزهد، حيث أن القناعة تدفع إلى الزهد، فالشخص الذي يقنع بما لديه من الممكن أن يزهد فيما لا يملكه.
-مفهوم أخلاقي: القناعة والزهد مفهومان أخلاقيان مترابطان، وكلما زادت القناعة، زاد الرضا، وزاد الزهد في الدنيا. والقناعة الزهد يؤدي إلى السعادة النفسية وراحة القلب. و من هنا نقول أن فضيلة الاكتفاء والرضا بما يمتلكه الإنسان من رزق أو حال، دون تطلع مفرط أو طمع فيما يملكه الآخرون. تُعد القناعة قيمة أخلاقية عالية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالسلام الداخلي والسعادة الحقيقية، وهي عكس الجشع والطمع.
*تتضمن القناعة الجوانب التالية من منظور أخلاقي:
.الرضا النفسي: هي حالة نفسية تجعل الفرد يشعر بسكينة القلب والراحة لما قُسم له، مما يجعله بمنأى عن الحسد أو السخط.
.الاستغناء عن طلب المزيد بلا ضرورة: لا تعني القناعة التخلي عن السعي والعمل، بل تعني عدم إجهاد النفس في طلب كل شيء بشكل جنوني أو غير محدود، والاكتفاء بالحلال الطيب.
.الغنى الحقيقي: يُعتبر القانع غنياً حتى لو كان يمتلك القليل، لأن الغنى الحقيقي هو غنى النفس والقلب، وليس كثرة الأموال والمتاع.
.تجنب آفات المطامع: القناعة تحمي صاحبها من الآفات الأخلاقية والسلوكية الناتجة عن الطمع، مثل الحقد، الحسد، السخط، والشعور الدائم بالنقص.
.الشكر وتجديد الحفاوة: ترتبط القناعة بقدرة الإنسان على تقدير ما لديه من نعم (حتى لو كانت بسيطة) وتجديد الشكر عليها، بدلاً من التركيز على ما ينقصه.
باختصار، القناعة هي التوازن الأخلاقي الذي يحقق للإنسان الطمأنينة ويجعله يعيش حياة طيبة، بعيداً عن دوامة الرغبات المادية التي لا تنتهي. الى هنا أكتفِ بهذا القدر في موضوع القناعة.
*الخاتمة/ دعاء القناعة:
اللهم ارزقني القناعة بما قسمت لي، واجعل قلبي مطمئنًا برضاك، ولا تُفقرني إلا إليك، ولا تُغنني إلا بقدرتك. واجعل الرضا سكن نفسي، والقناعة كنزي الذي لا يفنى. آمين رب العالمين و صلى الله على محمدٍ و آلهِ و سلم
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب/ عبد الجليل البصري