عنوان المقال / تأملات أخلاقية/ الجهاد الأخلاقي – الفصل الثاني
أعوذ بالله السميع العليم
من الشيطان الغوي اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ذي الرضا المرغوب، يعفو ويصفح ويغفر الذنوب. يملي ويمهل لعل العاصي يتوب، يعطي ويرضى ويحقق المطلوب. يُطعم ويَسقي ويستر العيوب، يغني ويشفي ويكشف الكروب. نحمده تبارك وتعالى حمدًا هو للذات العلية منسوب. ونعوذ بنور وجهه الكريم من شر الوسواس الكذوب. ونسأله السلامة فيما مضى وما سوف يأتي من خطوب. و صلى اللهُ على سيدنا محمدٍ عبده ورسوله ذو المقام الموهوب. لا يأكل الصدقات، ولا يرتكب الهفوات، وخاتم النبوة بين كتفيه مضروب. في الصلاة قرة عينيه، والخيرات كلها بين يديه، وهو الصفي المحبوب. من خلقه مكارم الأخلاق، وباتباع سنته تتسع الأرزاق، والأمر بحبه على الوجوب. نوره بين أتباعه قائم، وشرعه على مر الدهور دائم، وما عداه من الشرائع مشطوب. من أطاعه فقد أطاع الله، ومن تبع نهجه فقد أرضاه، ومن عصاه في النار مكبوب. أول الخلائق بعد النفخة يُفيق، وأول من يحشر على التحقيق، وحديثه غير مكذوب. أول من يسجد على البساط، وأول من يجوز على الصراط، والكل من الهول مكروب. صاحب لواء الحمد، والمنفرد بالثناء حين الجد، حيث الفلاح أو الرسوب. صاحب الشفاعة العظمى، وله المقام الأسمى، واسمه على أبواب الجنة مكتوب. صاحب الحوض الأوفى، وكأس الرواء الأشفى، والماء من نبع الجنان مسكوب. تتعلق به الآمال، وتشد إلى مسجده الرحال، وبالصلاة عليه تنفرج الكروب. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه عدد الرمال والحصى، وكلما أطاعه عبد أو عصى. ونور بصلاتنا عليه بصائرنا والقلوب.
أما بعد هذا المقال الثاني حول الجهاد الأخلاقي و أسال من الله العون و التوفيق.
#تأملات أخلاقية/ الجهاد الأخلاقي – الفصل الثاني:
@قال تعالى { وَ ٱلَّذِینَ جَـٰهَدُوا۟ فِینَا لَنَهۡدِیَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ } [ العنكبوت 69]
*المبحث الموضوعي للآية الكريمة:
المبحث الموضوعي للآية الكريمة مصادر مدرسة أهل البيت (ع) يتركز حول النقاط التالية:
.المصداق الأتم (أهل البيت): تذكر الروايات، ومنها ما ورد في "تفسير فرات الكوفي"، عن الإمام الباقر (ع) أن هذه الآية "نزلت فينا أهل البيت". فهم المجاهدون الحقيقيون الذين هداهم الله لسبله وجعلهم الهداة إليها.
.الجهاد العام والشامل: يشير المفسرون مثل صاحب "الميزان" و"مجمع البيان" إلى أن الجهاد هنا لا يقتصر على القتال بالسيف، بل هو الجهاد العام في سبيل الله، ويشمل:
-جهاد النفس: مخالفة الهوى والصبر على الطاعات.
-طلب العلم: المجاهدة في تحصيل العلم الشرعي والعمل به.
-الدعوة إلى الله: الصبر على الأذى في سبيل نشر الدين.
.علاقة العمل بالهداية: تؤكد المصادر أن من يعمل بما يعلم، يهديه الله لما لا يعلم (توفيق إلهي)، وهو معنى "لنهدينهم سبلنا".
.معية الله للمحسنين: "المعوية" هنا هي معية النصر والتأييد والحفظ في الدنيا، والرحمة والمغفرة في الآخرة، وهي خاصة بمن أحسن في مجاهدته.
.تعدد السبل والغاية واحدة: "سبلنا" بصيغة الجمع تشير إلى تنوع طرق الخير والوصول إلى الله، بينما الصراط المستقيم واحد، وهذه السبل تؤدي جميعها إلى مرضاة الله. إنّ مصادر أهل البيت (ع) تركز على أن الجهاد فيها (فينا) هو الجهاد لأجلنا وفي سبيلنا، وأن الهداية إلى "سبلنا" هي الهداية إلى طرق الحق والوصول إلينا، وقد نزلت في أهل البيت (ع) وأشياعهم الذين جاهدوا في الله بأمرهم (الجهاد الأصغر والأكبر)، وأن الله معهم بالمعونة والتأييد، وتفسيراتهم تشمل الجهاد في النفس، ومخالفة الهوى، وطلب العلم ونشره، والدعوة إلى الحق، وتوسيع دائرة معنى "المحسنين" لتشمل أتباعهم.
= أبرز النقاط في تفسير أهل البيت (ع):
.نزول خاص بأهل البيت (ع): الروايات عن الإمام الباقر (ع) والإمام الصادق (ع) تصرح بأن هذه الآية نزلت في أهل البيت (ع) وأشياعهم.
.معنى "جاهدوا فينا": ليس فقط جهاد الأعداء، بل جهاد النفس والشيطان، والصبر على الطاعات، ومجاهدة الهوى، والجهاد في طلب العلم، والدعوة إلى الله بالحكمة.
.معنى "لنهدينهم سبلنا": الهداية إلى الطريق المستقيم، وطرق الحق، وسبل الثواب، وتوفيقهم للعمل الصالح.
."المحسنون": تشملهم (أهل البيت وأتباعهم)، فالله معهم بالنصرة والمعونة والعناية الإلهية الخاصة، كما تشير إلى معية الرحمة والكرامة.
و من منظور أهل البيت (ع): الآية هي بشارة خاصة لأهل البيت (ع) وأتباعهم، تضمن لهم الهداية والتوفيق والمعونة الإلهية في جهادهم الأصغر (الظاهري) والأكبر (الباطني)، لتثبيتهم على صراط الحق والوصول إلى رضوان الله.
*المبحث الأخلاقي للآية الكريمة:
تتضمن هذه الآية الكريمة أسساً أخلاقية وتربوية عميقة، يمكن تلخيص مبحثها الأخلاقي في النقاط التالية:
١. المجاهدة كشرط للهداية:
تؤكد الآية أن نيل الهداية الخاصة والتوفيق الإلهي ليس أمراً عفوياً، بل هو ثمرة "المجاهدة". والمقصود بها هنا جهاد النفس وتزكيتها، ومقاومة الأهواء والرذائل، والصبر على الطاعات.
٢. الإخلاص (فِينا):
الشرط الأخلاقي الأساسي لقبول العمل هو الإخلاص. فالمجاهدة يجب أن تكون "في الله" ولأجله، لا طلباً لسمعة أو رياء. هذا الإخلاص هو الذي يحوّل الجهد البدني أو النفسي إلى عمل أخلاقي مثمر.
٣. الهداية والمكافأة المعنوية:
تبين الآية أن السلوك الأخلاقي يفتح آفاقاً جديدة من المعرفة (لنهدينهم سبلنا). فكلما ترقى الإنسان في مجاهدة نفسه، كافأه الله بنور يبصر به الحقائق، مما يعني أن الأخلاق والعمل الصالح هما مفتاح العلم اللدني والبصيرة.
٤. مقام الإحسان:
تختتم الآية بوصف المجاهدين بـ "المحسنين" (وإن الله لمع المحسين). وهذا يشير إلى أن أعلى مراتب الأخلاق هي "الإحسان"؛ وهو عبادة الله كأنك تراه، والإحسان إلى الخلق، وبذل المعروف بغير مقابل.
٥. المعية الإلهية:
تعد الآية بجزاء أخلاقي عظيم وهو "المعية"، وهي مساندة الله وتأييده وحفظه لمن سلك طريق التزكية. هذه المعية هي الضمان للاستمرار على النهج القويم في مواجهة تحديات الحياة.
*الخلاصة:
المبحث الأخلاقي للآية يربط بين الجهد الذاتي (المجاهدة)، والنية الصادقة (الإخلاص)، والثمرة الروحية (الهداية)، والنتيجة السلوكية (الإحسان) و يركز على الجهاد في سبيل الله كنقطة انطلاق للهداية الإلهية، والربط بينه وبين الإحسان ومرافقة الله للمحسنين، مبيناً أن بذل الجهد في طاعة الله وترك الهوى يقود إلى سلوك الطرق المستقيمة، وأن المعية الإلهية والتوفيق دليل على الإحسان، وأن هذه العملية (الجهاد -> الهداية -> الإحسان) هي جوهر الأخلاق الإيمانية.
=أركان أخلافية في الخلاصة:
1.الجهاد كقيمة عليا: يشمل جهاد النفس والشيطان، والصبر على الطاعات، ومجاهدة الهوى والفتن، والإنفاق في سبيل الله.
2.الهداية كجزاء: وعد إلهي بأن من يجاهد في الله سيهديه الله سبله، أي يوفقه للطريق المستقيم ويكشف له الحقائق.
3.المعية الإلهية: "وإن الله لمع المحسنين" تعني أن الله مع من أحسن في عمله، يسانده ويؤيده، وهذا يعزز قيمة الإحسان كغاية أخلاقية.
4.الترابط بين الجهاد والإحسان: الجهاد هو وسيلة للوصول إلى الإحسان، والإحسان هو صفة المحسنين الذين يرافقهم الله.
=تطبيقات أخلاقية في خلاصة الآية الكريمة:
0التكليف والمسؤولية: الآية تضع على المسلم مسؤولية السعي والعمل، لا مجرد الانتظار.
0الصبر والمثابرة: الجهاد يتطلب صبرًا عظيمًا، وهو قيمة أخلاقية أساسية للوصول إلى الكمال.
0نصرة الحق: الجهاد في سبيل الله يعني نصرة الحق، وهو من أعظم القربات الأخلاقية.
0الارتقاء بالنفس: الهدف من الجهاد هو الارتقاء بالنفس وتطهيرها، وهو جوهر التزكية الأخلاقية.
0مصداقية الوعد الإلهي: الآية تربط بين السلوك (الجهاد) والجزاء (الهداية والمعية)، مما يعزز اليقين بالله والثقة بوعده.
و باختصار، الآية تضع منهجاً أخلاقياً متكاملاً يربط بين الجهد البشري الصادق في طلب الحق, والتوفيق الإلهي وصولاً إلى مرتبة الإحسان التي فيها معية الله ورضاه. و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على متمم مكارم الأخلاق محمد و على آله و سلم
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب
د. عبد الجليل البصري
الجمعة 12 رجب 1447 هــ
الموافق 2/1/2026مـ