حرب الخرائط الصامته .. السيادة البحرية العراقية في مواجهة الفيتو الخليجي
بينما كانت أروقة الدبلوماسية العربية تبحث عن هدوء نسبي، فجرت بغداد "قنبلة إحداثيات" في أروقة الأمم المتحدة، معلنةً عن خارطة بحرية جديدة تتجاوز حدود "الأمر الواقع" التي فرضت منذ عقود. لم تكن هذه الخطوة مجرد إجراء قانوني جاف، بل هي إعلان عراقي صريح عن استعادة "البوصلة السيادية" في مياه الخليج، مما أشعل فتيل ما يمكن تسميته بـ "حرب الخرائط الصامتة" بين بغداد والكويت، والتي سرعان ما تحولت إلى مواجهة دبلوماسية مع جبهة خليجية موحدة.
(إيداع نيويورك.. كسر التوقيتات التقليدية)
إن إيداع العراق لقوائم الإحداثيات المحدثة لما وراء "العلامة 162" يمثل انعطافة تاريخية في إدارة ملف الحدود البحرية. فبينما كانت الكويت تستند إلى خرائط سجلتها من طرف واحد في عام 2014، جاء التحرك العراقي الأخير ليعيد ترسيم "الجرف القاري" وفقاً لاتفاقية قانون البحار لعام 1982. السيادة العراقية اليوم لم تعد تقبل بالحبس الجغرافي في "خور عبد الله"، بل تمدد إحداثياتها لتشمل مناطق حيوية مثل "فشت العيج" و"فشت القيد"، معتبرة إياها امتداداً جغرافياً وحقاً تاريخياً لا يقبل القسمة.
(الفيتو الخليجي.. تدويل الأزمة)
لم يتأخر الرد الإقليمي كثيراً؛ فسرعان ما تحول الاحتجاج الكويتي إلى "فيتو خليجي" جماعي. بيانات التضامن المتلاحقة من عواصم مجلس التعاون لم تكن مجرد مجاملات دبلوماسية، بل عكست مخاوف إقليمية من تغيير "قواعد الاشتباك الجغرافي" التي استقرت بعد عام 1990. هذا الاصطفاف يضع صانع القرار العراقي أمام تحدٍ مزدوج: فإما المضي قدماً في تثبيت حقوقه البحرية دولياً، أو الخضوع لضغوط "الجوار" التي تسعى لتعطيل أي تحرك عراقي يخرج عن إطار قرارات مجلس الأمن القديمة.
(ما بعد "العلامة 162".. سيادة أم تسوية؟)
العقدة الحقيقية تكمن في أن الجانب العراقي بات يمتلك اليوم جرأة فنية وقانونية لم تكن حاضرة في الحكومات السابقة. الحديث عن "فشت العيج" لم يعد مجرد نقاش حدودي، بل أصبح قضية رأي عام ترتبط بكرامة الدولة ومنفذها المائي الوحيد نحو العالم. وفي ظل هذا الاحتقان، يبدو أن خيارات "التسوية الودية" تضيق، بينما تنفتح أبواب "التدويل" على مصراعيها، حيث يرى قانونيون عراقيون أن المحكمة الدولية لقانون البحار هي الساحة القادمة لحسم هذا النزاع السيادي.
وأخيرا فإن "حرب الخرائط" المشتعلة اليوم هي اختبار حقيقي لإرادة الدولة العراقية وقدرتها على حماية مصالحها في مياه الخليج المزدحمة بالتعقيدات. فالمسألة لا تتعلق ببضعة كيلومترات مائية، بل بقدرة العراق على التنفس بحرياً بعيداً عن سياسة "الخنق الجغرافي". وعلى القوى الخليجية أن تدرك أن عراق 2026 لم يعد يقبل بالخرائط التي رُسمت في غيابه، وأن السيادة البحرية هي خط أحمر، وإن كلف ذلك الدخول في نفق دبلوماسي طويل.
الكاتبة الصحفية
رؤى الخزرجي