عنوان المقال / تأملات أخلاقية – التهجد الفصل الرابع:
عنوان المقال / تأملات أخلاقية – التهجد الفصل الرابع: مقالات

عنوان المقال / تأملات أخلاقية – التهجد الفصل الرابع:

أعوذُ بالله السميع العليم
من الشيطان الغوي اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل من ألبابنا بصائر تقودنا إلى معرفته، ومعارف ترشدنا إلى الاقرار بربوبيته ليخرجنا من الظلمات إلى النور برحمته.
و أصلِ و أسلم على مَنْ لا نبيَّ بعده محمد عبدهُ و رسولهُ على الطاهرين و مِن آلهِ و المنتجبين من صحه.
أما بعد:
تأملات أخلاقية – التهجد الفصل الرابع:
قال تعالى ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [ الزمر9]
*المبحث الموضوعي للآية الكريمة:
تُشير المصادر التفسيرية والروائية المنقولة إلى أن المبحث الموضوعي لهذه الآية يتناول النماذج الحقيقية للإيمان والتقوى، وتحديداً:
١. علي بن أبي طالب (ع): تذكر الروايات أنها نزلت في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لدوام قنوته وتهجده.
٢. المصداق الأتم "للذين يعلمون": يُصنف أهل البيت أنفسهم بأنهم المقصودون بـ "الذين يعلمون" في ذيل الآية، بينما أعداؤهم هم "الذين لا يعلمون"، وشيعتهم هم "أولو الألباب".
٣. العبادة واليقين: تُبرز الآية الفارق الجوهري بين العالم العابد (الخائف الراجي) وبين غيره، وهو مقام جسده أهل البيت في أعلى صور العبودية. و يتركز حول تعظيم شأن العبادة القائمة على العلم والإخلاص، وتميز أهل البيت (ع) بصفات القنوت (الطاعة)، التهجد ليلاً، الخوف والرجاء، والربط بين العلم والعمل، حيث تُبرز الآية الفارق الشاسع بين العالم العامل وغيره.
=النقاط الرئيسية للمبحث الموضوعي:
.التميز في العبادة: الإشارة إلى القنوت آناء الليل (ساجدًا وقائمًا) كأعلى مراتب الطاعة، وهو ما تجسد في سيرة وسلوك أهل البيت.
.الخوف والرجاء: الجمع بين الحذر من عذاب الآخرة والرجاء في رحمة الله (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)، مما يعكس حالة التوازن الروحي والمعرفي.
.أهل العلم هم أهل البيت: يُفسّر "الذين يعلمون" بأنهم العارفون بالله ودينه، وهم أهل البيت الذين جمعوا بين العلم الظاهري والباطني، والعمل الصالح.
.علو المنزلة: النفي القاطع للمساواة بين من يعبد الله عن بصيرة وعلم وبين غيره (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).
.تذكر أولي الألباب: تخصيص أصحاب العقول الذكية بأنهم القادرون
على استيعاب الحقائق والتأثر بها (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ).
=خلاصة البحث:
: الآية تقدّم أهل البيت كمعيار للتفاضل القائم على "العلم والعبادة"، وتعتبر الولاية لهم هي جوهر التذكّر الذي لا يدركه إلا أصحاب العقول الراجحة.
هل تود الاطلاع على أدعية أو مناجيات مروية عن السجاد (ع) تجسد معنى "القنوت آناء الليل" الوارد في الآية؟
.المصداق الأتم للآية: وردت الروايات عن الإمام الصادق (ع) وغيره بأن الآية نزلت في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، بوصفه القانت آناء الليل ساجداً وقائماً، والمجسّد الحقيقي لخشية الله ورجاء رحمته.
.ثلاثية (العلم، والجهل، والألباب): في تفسير قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ...﴾، بين الإمام الباقر (ع) المبحث الموضوعي بتقسيم الأمة إلى ثلاثة أصناف:
1.الذين يعلمون: هم "آل محمد" (أهل البيت) الذين يمتلكون حقيقة العلم الإلهي.
2.الذين لا يعلمون: هم "أعداؤهم" الذين تنكبوا طريق الهدى.
3.أولو الألباب: هم "شيعتهم" الذين يتفكرون ويتبعون نهجهم.
.المقابلة الموضوعية: الآية تأتي في سياق "المقابلة" بين حال الكافر المنكر الذي ينسى الله عند النعمة، وبين حال المؤمن القانت (علي بن أبي طالب) الذي تزداد عبادته وخشيته في أوقات الخلوة (آناء الليل).
تُعد الآية ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا...﴾، في سياق المباحث الموضوعية والتفاسير المأثورة ، نموذجاً قرآنياً رفيعاً يجسد "المؤمن الحقيقي" علي بن أبي طالب (ع) في مقابل الكافر والمعرض، مبرزةً طاعته المطلقة، علمه، وعبادته الخاشعة في جوف الليل.
=خلاصة المبحث الموضوعي:
تجسيد أهل البيت (ع) للآية: ذكرت تفاسير كثيرة أن المقصود بقوله تعالى {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حيث كان يجمع بين العلم والعمل، وعبادة الله في آناء الليل.
القنوت والعبادة: تصف الآية {سَاجِدًا وَقَائِمًا}، وهو ما فُسر بأفضل العبادات وهي الصلاة والقيام، و{آنَاء اللَّيْلِ} إشارة إلى خلوة الليل وتهجده، وهو ديدن أهل البيت (ع).
الخوف والرجاء: {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ}، موازنة بين
الخوف من الحساب والرجاء في رحمة الله، وهي صفة العارفين بالله.
العلم والمعرفة: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}،
تأكيد على التباين الشاسع بين عالم (وهو هنا علي عليه السلام)
وجاهل، حيث العلم نور والجهل ظلمة.
أولو الألباب: أهل البيت (ع) هم "أولو الألباب" الحقيقيون الذين يتذكرون ويتدبرون عواقب الأمور. و الآية ترسم صورة نموذجية للشخصية المعصومة المطيعة (أهل البيت) التي تلازم العبادة والعلم والرجاء، مبيّنةً فضيلة العلم والعلماء وعلو درجاتهم، وأن الطاعة في الليل واليقين هما سمة القانتين الذاكرين.
*المبحث الأخلاقي للآية الكريمة:
تُعد هذه الآية نموذجاً قرآنياً لتجسيد الكمال العبادي والعلمي، ويربطها المنهج الأخلاقي لأهل البيت (ع) بالمفاهيم التالية:
التجسيد الحي للعبادة: تشير الروايات (كالأمالي للصدوق وبحار الأنوار) إلى أن الآية نزلت في علي بن أبي طالب (ع)، كونه المصداق الأتم للقنوت والسجود والقيام آناء الليل.
تلازم العلم والعمل: المبحث الأخلاقي هنا يؤكد أن "الذين يعلمون" هم أهل البيت؛ لأن علمهم ليس نظرياً بل يورث الخشية (يحذر الآخرة) والرجاء (يرجو رحمة ربه)، وهما ركيزتا السلوك الأخلاقي القويم.
خلق الخوف والرجاء: تُعلمنا الآية توازن "جناحي الطير" في السير إلى الله؛ فلا يطغى الخوف فيؤدي لليأس، ولا الرجاء فيؤدي للامتثال للأمن من مكر الله، وهو منهج أخلاقي أصيل في مدرسة أهل البيت.
صفة "أولو الألباب": يُفسر "أولو الألباب" في مدرسة التفسير بالمأثور بـ شيعة أهل البيت ومتبعيهم، الذين تنور عقولهم بآثار العبادة والتفكر، مما يجعلهم يتذكرون ويتعظون بآيات الله. و تتضمن الآية (﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ...﴾) ملامح أخلاقية وتربوية عميقة تجسدها سيرة أهل البيت (ع)،
.وتتمحور حول: الإخلاص والعبادة الواعية (الخوف والرجاء)، طلب العلم وربطه بالعمل، والتواضع والتذكر. تمثل الآية نموذجًا للإنسان "القانت" الذي يوازن بين العمل الظاهر (سجود وقيام) والعمل الباطن (حذر الآخرة ورجاء الرحمة).
=المباحث الأخلاقية في الآية عن أهل البيت (ع):
.العبادة القلبية (القنوت): يجسد أهل البيت أعلى درجات "القنوت" وهو الخضوع المستمر لله (آناء الليل) وليس مجرد حركات، مما يعكس إخلاصًا باطنيًا.
.التوازن بين الخوف والرجاء: الآية تصف حالهم بـ"يحذر الآخرة" (الخوف من التقصير) و"يرجو رحمة ربه" (الطمع في الله)، وهو جوهر أخلاق المؤمن المترقي.
.العلم المقرون بالعمل: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ" تميز أهل البيت باعتبارهم "الذين يعلمون" حق العلم بالله، مما ينتج أفضل العمل.
.أولو الألباب: يصف الله أصحاب الفهم (العقول الذكية) بأنهم الذين يتذكرون، وهو وصف لأهل البيت الذين لا تلهيهم الدنيا عن الآخرة.
.سيرة أهل البيت: كانت هذه الآية تنطبق على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في تهجده، وعلى الإمام السجاد (ع) الملقب بـ"زين العابدين".
=خلاصة المبحث الأخلاقي في الآية:
خلاصة القول، الآية ترسخ أخلاقية التهجد، والخشية، وطلب العلم، وتقديم طاعة الله على الهوى. و تتلخص الأبعاد الأخلاقية في هذه الآية الكريمة في ثلاثة ركائز أساسية تبني شخصية المؤمن وتضبط سلوكه:
١. العبادة السلوكية (القنوت): يبرز المبحث الأخلاقي هنا في المداومة والخضوع؛ فالقنوت ليس مجرد فعل عابر، بل هو حالة ملازمة للعبد في خلوته (آناء الليل)، مما يعكس صدق الإخلاص بعيداً عن الرياء.
٢. التوازن الوجداني (الخوف والرجاء): ترسي الآية قاعدة أخلاقية ونفسية تقوم على الاعتدال؛ فالعبد يعيش بين "حذر الآخرة" و"رجاء الرحمة". هذا التوازن يمنع الغرور بالعمل (العجب) ويحمي من اليأس (القنوط)، وهو جوهر الاستقامة الخلقية.
٣. أخلاقيات العلم (المعرفة المثمرة): تنفي الآية المساواة بين من يعلم ومن لا يعلم، لكنها تربط العلم بالعمل والخشية. فالعلم الأخلاقي هنا ليس تراكم معلومات، بل هو "التذكر" الذي يقود "أولوا الألباب" إلى خشية الله وتطبيق الحق. و هي إرساء قاعدة "التفاضل بالأعمال الصالحة واليقظة الإيمانية"، حيث تقارن بين المؤمن القانت (المتهجد، الخائف، الراجي) وبين الغافل. تُبرز الآية أن العلم الحقيقي هو الذي يورث الخشية والعمل، وأن التفضيل الأخلاقي يرجع لأولي الألباب الذين يجمعون بين المعرفة والعمل الصالح، فليس المستويان سواء.
=أهم المبادئ الأخلاقية المستخلصة:
.القنوت والتهجد: المداومة على عبادة الله تعالى (سجدًا وقائمًا) والتلذذ بها.
.توازن الخوف والرجاء: الخوف من عذاب الله والرجاء في رحمته محركان رئيسيان للسلوك الأخلاقي (يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه).
.الخوف من عذاب الآخرة: دافع مستمر لضبط السلوكيات وتجنب المعاصي.
.الرجاء في رحمة الله: باعث للأمل والعمل الدؤوب.
.العمل بالعلم: القيمة الأخلاقية للعلم تظهر في تطبيقه، وليس في مجرد معرفته، و"أولو الألباب" هم من يدركون هذا الفرق.
الآية تدعو إلى تحويل المعرفة إلى ممارسة واعية، مما يرفع من مكانة العابدين والمثقفين إيمانيًا. الى هنا قد انتهى مبحثنا عن التهجد فأقول قولي و أستغفر الله عن كل خطأٍ و تقصير و الحمد لله رب العالمين و صلى اللهُ على محمدٍ و آلهِ الطاهرين
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب
د. عبد الجليل البصري
الثلاثاء 7شعبان1447هــ 27/1/2026مــ