عنوان المقال / تأملات أخلاقية/ الجهاد الأخلاقي- الفصل الثالث
أعوذ بالله السميع العليم
من الشيطان الغوي اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أعطى الأمان لمن شكر سبحانه من رب عظيم قد على فوق الخلائق واقتدر سبحانه, عنت الوجوه لجاهه واستسلمت فطر الحياة لأمره لما أمر فأتم فيض نعيمه للمؤمنين العاملين لدينهم جنات عدن عزها نور الجلال أفاءه أمر الذي في كل أمر قد أمر وأضاف من مدد الخلود ما غاب عن وعي المسامع والبصر من كل فيض ناعم يسمو على كل الفكر و يفوق كل تصور عرفته أذهان البشر, لا شريك له في ملكه ولا سند سبحانه, جعل الحياة مطية مطواعة للمؤمنين المحسنين لأنهم قد وحدوا الله العظيم المقتدر ومشوا على درب الهدي لما بدى في المبتدئ نور الذي أحيا الفطر, و نصلِ و نسلم على رسول الله من جاء فخراً للحياة يؤمها نحو العلا حتى علت رغم الحفر رغم الصعاب تقدمت تمحو الظلام وتنتصر بالعلم ترسم للحياة سبيلها من أجل إسعاد البشر.
أما بعد . . .
تأملات أخلاقية/ الجهاد الأخلاقي- الفصل الثالث
قال تعالى { ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَ ٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَاۤىِٕزُونَ }[ التوبة 20 ]
*المبحث الموضوعي للآية الكريمة:
المبحث الموضوعي هو "فضل الجهاد والهجرة ومقومات الفلاح".
ويمكن تفصيل أبرز موضوعاتها في النقاط التالية:
.المفاضلة بين الأعمال: تُبين الآية أن الإيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفس هي أعمال تفوق في درجتها ومنزلتها مجرد سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام.
.مقومات الفوز الحقيقي: تحصر الآية "الفوز" فيمن جمعوا بين أركان ثلاثة: (الإيمان العقدي، التضحية بالوطن "الهجرة"، والبذل بالمال والنفس "الجهاد").
.الدرجات عند الله: تؤكد الآية أن التفاضل بين العباد يكون بناءً على المشقة والتضحية في سبيل إعلاء كلمة الله.
.الجهاد الشامل: تشير إلى أن الجهاد لا يقتصر على القتال فقط، بل يشمل الجهاد بالمال والنفس. و بيان عِظَم منزلة المجاهدين والمهاجرين في سبيل الله، وتأكيد أنَّ الإيمان والجهاد بالمال والنفس في سبيل الله هو أعلى درجات الفوز والكرامة عند الله، وهو أساس التفاضل بين الأعمال، حيث يُبيّن الله تعالى أنَّ الذين يجمعون بين الإيمان والجهاد بصدق أعظم درجةً من غيرهم، وهم أهل الفوز الحقيقي لا من يكتفون بأعمال ظاهرية.
=المحاور الرئيسية للآية:
1.الإيمان: هو الأساس والشرط الأول.
2.الهجرة في سبيل الله: ترك الأوطان والأهل والمال لله.
3.الجهاد في سبيل الله: بذل النفس والمال لنصرة الدين.
المقام العظيم: "أعظم درجة عند الله"؛ أي أعلى منزلة وأقرب زُلفى.
4.الفوز المطلق: "أولئك هم الفائزون"؛ تأكيد أنَّ هذا هو الفوز الحقيقي والنجاح الأبدي.
=معنى الآية في السياق:
.تأتي هذه الآية في سورة التوبة، وهي تُقارن بين فئات من الناس، وتُوضح أنَّ من يجمع هذه الصفات (الإيمان، الهجرة، الجهاد) هو الأفضل والأعلى عند الله، مما يُبين تفاضل الأعمال، وأنَّ الجهاد في سبيل الله له مكانة عظيمة تُفوق مجرد القيام بأعمال مثل سقاية الحاج وعمارة المسجد إن لم يصاحبها إيمان وجهاد حقيقي.
.الآية تُثبت أنَّ الخسارة ليست في الدنيا بل في الآخرة، وأنَّ الفائزين هم الذين قدّموا أنفسهم وأموالهم لله، وهم من يستحقون النعيم المقيم.
*المبحث الأخلاقي للآية الكريمة:
تتضمن هذه الآية الكريمة منظومة أخلاقية متكاملة تقوم على ترتيب الأولويات في السلوك البشري، ويمكن تلخيص المبحث الأخلاقي فيها في النقاط التالية:
1. أخلاقية القصد والإخلاص (الإيمان):
تبدأ الآية بـ"الذين آمنوا"، وهي تشير إلى أن القيمة الأخلاقية لأي فعل تنبع من "النية" والارتباط بمبدأ حق، فالعمل ليس مجرد حركة آلية بل هو موقف أخلاقي ينطلق من قناعة داخلية راسخة.
2. التحرر من التعلق بالمادة والبيئة (الهجرة):
تجسد الهجرة قيمة "التضحية" والقدرة على التخلي عن المألوف (الوطن، الأهل، المصالح الضيقة) في سبيل المبادئ السامية. هي درس أخلاقي في "التحرر" من قيود الأرض والمادة إذا تعارضت مع كرامة الإنسان وعقيدته.
3. فضيلة البذل والمجاهدة (الجهاد):
تمثل "المجاهدة" ذروة الأخلاق العملية، حيث تشمل:
أخلاقية السخاء: بتقديم المال (بأموالهم).
أخلاقية الشجاعة والفداء: بتقديم الروح (وأنفسهم).
الغائية: أن يكون هذا البذل "في سبيل الله"، أي من أجل الحق والعدل والمصلحة العامة، لا من أجل سمعة أو مصلحة شخصية.
4. العدالة الإلهية في الجدارة (أعظم درجة):
تؤكد الآية مبدأ "الاستحقاق"، حيث لا يتساوى الخامل مع الساعي، ولا المكتفي بالحد الأدنى مع المضحي. الأخلاق هنا تُبنى على "الدرجات" التي تعكس مقدار الجهد المبذول وتفاوت الناس في مراقي الفضيلة.
5. مفهوم الفوز الحقيقي (الفائزون):
تُعيد الآية تعريف "النجاح" أخلاقياً؛ فالفائز ليس من جمع المال أو نال الجاه، بل هو من حقق التوازن بين الإيمان والعمل والتضحية. الفوز هنا هو "الفلاح الأخلاقي" الذي يحقق السعادة الأبدية والرضا الإلهي.
و يتمحور حول تضحيات المؤمنين العظيمة في سبيل الله، مؤكدة أن الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة يرفع درجاتهم ويجعلهم الفائزين حقًا، مما يغرس في النفس معاني الإخلاص، كالتضحية، و الثبات على المبدأ، وتقديم رضوان الله على كل شيء، وهو أساس الفلاح الأخلاقي في الإسلام، كما يوضح.
=الدروس الأخلاقية المستفادة:
1.التضحية العليا: الآية تسلط الضوء على أن الإيمان ليس مجرد عقيدة، بل هو عمل وجهاد بالمال (الإنفاق) والنفس (بذل الروح) في سبيل الله، وهو قمة العطاء الأخلاقي.
2.فضل الهجرة والجهاد: الهجرة في سبيل الله (ترك الديار لنصرة الدين) والجهاد في سبيله (بالمال والنفس) هي أفعال عظيمة ترفع مقام المؤمن عند الله.
3.الدرجات العالية عند الله: هؤلاء المجاهدون المهاجرون لهم "أعظم درجة عند الله"، مما يبين أن القرب من الله والجزاء العظيم مرتبط بالعمل الصالح والتضحية.
4.الفوز الحقيقي: وصفهم بـ "أُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ" يؤكد أن الفوز الحقيقي والنجاح الأبدي يكمن في هذه السبل، وليس في ملذات الدنيا الزائلة.
5.الربط بين الإيمان والعمل: الآية تربط بين التصديق القلبي (آمنوا) والأعمال البدنية (هاجروا، جاهدوا)، وتجعل الأعمال دليلاً على صدق الإيمان.
6.الاختيار الإلهي: الله يختار هؤلاء ليكونوا قدوة في التضحية، ويخصهم بهذا الثناء العظيم، مما يشجع المسلمين على الاقتداء بهم.
باختصار، الآية تدعو إلى التضحية الشاملة في سبيل الله، وتوضح أن من يقدم ماله ونفسه وجهده في سبيل العقيدة هو صاحب الدرجات العليا والمكانة الأسمى والفوز الأبدي.
*الخلاصة:
إنَّ المبحث الأخلاقي في الآية ينتقل بالإنسان من التصديق النظري (آمنوا) إلى الموقف العملي (هاجروا) ثم إلى التضحية القصوى (جاهدوا)، ليؤكد أن الأخلاق هي "حركة وتضحية" وليست مجرد كلمات. و تتلخص المباحث الأخلاقية في هذه الآية الكريمة في ترتيب المقامات السلوكية والقيمية التي ترفع شأن الإنسان عند الله، وهي كالتالي:
١. الترتيب التصاعدي للكمال الأخلاقي:
تبين الآية أن الفضل ليس مجرد شعارات، بل هو مراتب تبدأ بـالإيمان (التصديق الباطني)، ثم الهجرة (التخلي عن المألوف والبيئة الفاسدة)، وصولاً إلى الجهاد (بذل الغالي والنفيس)، وهذا يشير إلى أن الأخلاق تتكامل بالممارسة والتضحية لا بالأماني.
٢. التحرر من التعلق بالماديات والذات:
الجهاد بـالأموال والأنفس يمثل قمة الأخلاق؛ لأنه يعكس تحرر النفس من شحّ المال (الجهاد المالي) ومن حب البقاء والأنانية (الجهاد النفسي)، مما يجعل إرادة الإنسان تابعة لمرضاة الله لا لهواه.
٣. ميزان التفاضل الحقيقي:
تضع الآية معياراً أخلاقياً للمفاضلة بين الناس وهو "العمل والجهد" وليس النسب أو المكانة الاجتماعية؛ فعبارة {أعظم درجة عند الله} تؤكد أن القيمة الأخلاقية للفرد تُقاس بمدى عطائه وتضحيته في سبيل المبادئ السامية.
٤. الفوز الحقيقي (الغاية الأخلاقية):
حصر الفلاح في قوله {وأولئك هم الفائزون}، وهو فوز يجمع بين الطمأنينة النفسية في الدنيا والرفعة في الآخرة، مما يربط السلوك الأخلاقي بنتيجة غائية كبرى، وهي نيل السعادة الأبدية.
الخلاصة: الآية تؤسس لأخلاق "المبادرة والتضحية"، وتعتبر أن أسمى درجات الإنسانية تُنال بترك الراحة والتعلق بالماديات في سبيل الحق والعدل. و آخر دعوانا أن الحمدُ للهِ رب العالمين و صلى اللهُ على الصادق الأمين محمد و آلهِ الطاهرين
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب
د. عبد الجليل البصري
الخميس
18رجب1447هـت
الموافق8/1/2026مــ