عنوان المقال / وقفة رمضانية
عنوان المقال / وقفة رمضانية مقالات

عنوان المقال / وقفة رمضانية


وقفة رمضانية
أعوذ بالله من الشيطان الغوي اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله لم يزل عليّا ، ولم يزل في علاه سميّا ، قطرة من بحر جوده تملأ الأرض ريّا ، نظرة من عين رضاه تجعل الكافر وليّا ،الجنة لمن أطاعه ولو كان عبدًا حبشيًا و النار لمن عصاه ولو شريفًا قرشيًا ، أنزل على نبيه ومصطفاه قولاً بهيًا] تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً, ثم الصلاة و السلام على المبعوث رحمةً للأنام محمد عليه أفضل الصلاة و أتم السلام و آله خزان علمه و تراجمة وحيه و على صحبه المنتجبين و مَن تبعهم بإحسانٍ الى يوم الدين.
قال تعالى { یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ } [البقرة183]
*البُعد الأخلاقي للآية الكريمة:
البُعد الأخلاقي الآية (لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ) يتمحور حول تهذيب النفس وترسيخ التقوى كسلوك دائم، وليس مجرد امتناع عن الطعام. بحسب روايات أهل البيت (ع)، الصيام هو "جُنّة" (وقاية) من المعاصي، ووسيلة لكسر الشهوات، وتذكير بآلام الفقراء، مما يزرع الرحمة والمراقبة الدائمة لله.
=الأبعاد الأخلاقية في روايات أهل البيت (ع):
.حقيقة الصيام (التقوى السلوكية): ليس الصوم عن الطعام فقط، بل هو صوم الجوارح عن الذنوب. يروى عن النبي (ص) أن الصيام ليس فيه حاجة لمن لا يدع قول الزور والعمل به.
.تهذيب النفس (ترويض الشهوة): الإمام علي (ع) يعتبر الصيام عبادة تكسر شهوة النفس وتؤدي إلى الاستقامة.
.المساواة والرحمة: إشعار النفس بالجوع يولد تضامناً أخلاقياً مع الجياع.
.الاستمرارية: الهدنـة (التقوى) المرجوة من الصيام هي حالة قلبية تستمر بعد رمضان، وتراقب الله في السر والعلن.
و تتجلى الأبعاد الأخلاقية في هذه الآية من خلال روايات أهل البيت (ع) في عدة نقاط جوهرية تربط بين العبادة السلوكية والكمال النفسي:
١. تحقيق "التقوى" كملكة أخلاقية:
تؤكد الروايات أن الغاية (لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ) ليست مجرد الإمساك عن الطعام، بل هي "رياضة روحية" لضبط الشهوات. يقول الإمام الصادق (ع): «إذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَ بَصَرُكَ وَ شَعْرُكَ وَ جِلْدُكَ»، وهذا يعني انتقال الأخلاق من الباطن إلى الجوارح.
٢. المساواة والشعور بالآخر:
أبرز البعد الأخلاقي الاجتماعي في تعليل الصوم؛ فعن الإمام الحسين (ع) أنه قال: «لِيَجِدَ الغَنِيُّ مَسَّ الجُوعِ فَيَعُودَ بِالفَضلِ عَلَى المَساكِينِ». فالصيام يكسر كبرياء النفس ويخلق حالة من المواساة الأخلاقية للفقراء.
٣. الإخلاص والتحرر من الرياء:
يُعتبر الصوم "العبادة الخفية" التي لا يعلمها إلا الله. وفي نهج البلاغة يصف الإمام علي (ع) الصيام بأنه: «ابتلاءً لإخلاص الخلق»، مما يعزز فضيلة الصدق مع الذات ومع الخالق بعيداً عن التظاهر.
٤. الاستمرارية التاريخية (تطييب النفس):
قوله تعالى (كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ) يحمل لفتة أخلاقية تربوية؛ وهي "التأسي" وتهوين المشقة على النفس، حيث أن مشاركة الأمم السابقة في هذا التكليف تبعث على العزيمة وتزيل الاستيحاش من الصعوبة.
*الـخـلاصـة:
خلاصة المبحث الأخلاقي لآية الصيام (البقرة: 183) هي أن الصيام عبادة تربوية تهدف أساساً إلى تحقيق التقوى (فعل المأمور وترك المحظور)، وتهذيب النفس، وضبط الشهوات، وتنمية المراقبة الذاتية لله. يُعد الصيام وسيلة لتعزيز الصبر، والشعور بالمساواة، وتدريب النفس على العفة والامتناع عن المعاصي (قول الزور والعمل به).
=أبرز النقاط الأخلاقية في الآية:
.التقوى كغاية أخلاقية: الصيام وسيلة لتقوى الله، والتقوى هي جماع كل أخلاق طيبة.
.تهذيب الشهوات: تربية النفس على كسر الشهوة، والصبر على الطاعة، والانضباط.
.المراقبة الذاتية: يورث الصيام رقابة داخلية تدفع العبد لطاعة الله رغبةً ورهبةً.
.شمولية المنهج: الصيام يُعد شعبة عظيمة من شعب التقوى، وقربى إلى المولى.
.العموم و التأسّي: فرض الصيام على الأمم السابقة يُنشّط هذه الأمة للمنافسة في تكميل الأعمال والمسارعة إلى صالح الخصال.
و تُعد هذه الآية الكريمة المرتكز الأساسي للفلسفة الأخلاقية في العبادات الإسلامية، فهي لا تنظر إلى الصيام كمجرد إمساك مادي عن الطعام والشراب، بل كعملية صياغة أخلاقية متكاملة.
=إليك خلاصة المبحث الأخلاقي لهذه الآية:
1. الغاية الأخلاقية الكبرى (التقوى)
ختم الله الآية بقوله "لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ"، والتقوى في جوهرها هي "الرقابة الذاتية".
.الانضباط الداخلي: الصيام يعلم الإنسان كيف يراقب نفسه دون حاجة لرقيب خارجي، مما يعزز فضيلة "الإخلاص".
.التحكم في النزعات: التقوى هي القدرة على قول "لا" للرغبات المباحة (طعام، شراب) لتعزيز القدرة على قول "لا" للمحرمات الأخلاقية (كذب، غيبة، ظلم).
2. وحدة المسار الأخلاقي الإنساني
تشير عبارة "كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ" إلى مبدأ "وحدة القيم الإنسانية":
.التراحم العالمي: الأخلاق ليست حكراً على أمة دون أخرى، بل هي سلسلة متصلة.
.القدوة والتهوين: الإشارة للأمم السابقة تعطي دفعة معنوية وتشعر المؤمن بأنه ليس وحيداً في هذا الالتزام الأخلاقي، مما يسهل عليه مشقة الطاعة.
3. الإرادة والتحرر من "الشيئية"
الصيام هو تمرين عملي على قوة الإرادة:
.سيادة الروح: الأخلاق تتطلب أن يسود العقل والروح على المادة. بالصيام، يتحرر الإنسان من عبودية العادات والاحتياجات البيولوجية، ليصبح سيد قراره.
.الصبر: الصيام هو "مدرسة الصبر" الأولية، والصبر هو الركيزة التي تقوم عليها كل الفضائل الأخلاقية الأخرى.
4. الشعور بالآخر (التكافل العاطفي)
رغم أن الآية لم تذكر "الجوع" صراحة، إلا أن سياق الصيام يفرض تجربة أخلاقية عميقة:
.المساواة: يتساوى الغني والفقير في تجربة الحرمان، مما يكسر حدة الكبر ويولد التعاطف الوجداني مع المحتاجين.
باختصار، الصيام في هذه الآية هو رحلة تربوية لبناء شخصية أخلاقية تقية، منضبطة، ومراقبة لله في السر والعلن.
أقول قولي و أستغفر الله للمؤمنين و المؤمنات و الحمدُ لله رب العالمين و صلى الله على محمدٍ و آلهِ الطاهرين
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب
د. عبد الجليل البصري
الأربعاء السابع من شهر رمضان 1447هــ
25شباط 2026م