عنوان المقال- تأملات رمضانية- في الآيات القرآنية 2
تأملات رمضانية- في الآيات القرآنية 2
أعوذ بالله من الشيطان الغوي اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله لم يزل عليّا ، ولم يزل في علاه سميّا ، قطرة من بحر جوده تملأ الأرض ريّا ، نظرة من عين رضاه تجعل الكافر وليّا ،الجنة لمن أطاعه ولو كان عبدًا حبشيًا و النار لمن عصاه ولو شريفًا قرشيًا ، أنزل على نبيه ومصطفاه قولاً بهيًا] تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً, ثم الصلاة و السلام على المبعوث رحمةً للأنام محمد عليه أفضل الصلاة و أتم السلام و آله خزان علمه و تراجمة وحيه و على صحبه المنتجبين و مَن تبعهم بإحسانٍ الى يوم الدين.
قال تعالى { أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }[البقرة184]
*الدلائل الأخلاقية للآية الكريمة:
تتضمن الآية 184 من سورة البقرة في روايات أهل البيت (ع) مباحث أخلاقية تربوية عميقة، تركز على تدرج التشريع، رحمة الله بالعباد، وتفضيل الروحانية على المشقة. أبرزها التخفيف والتيسير، والروح الاجتماعية في الصوم، وتزكية النفس بالتطوع.
التيسير ورفع الحرج (الرحمة الأخلاقية): تُشير الآية "فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ" إلى رحمة الله، حيث لا يُريد الله تكليف النفس فوق طاقتها، فإذا عجزت، سقط الواجب أو تبدل، مما يعزز خلق الرفق بالمكلفين.
.روح التكافل الاجتماعي: في "فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ"، يربط التشريع بين فطر المطيقين (الشيخ الكبير أو ذوي المشقة) وبين إطعام المساكين، مما يحول العبادة إلى سلوك اجتماعي يواسي الفقراء ويطعمهم.
أخلاق التفضّل (فمن تطوع خيراً): تأكيد على أن الزيادة في الفدية أو التطوع بالصوم (لمن لا يجب عليه) هو خير للنفس، مما ينمي خلق الجود، البذل، والمسارعة في الخيرات.
الأولوية للروحانية (وأن تصوموا خير لكم): رغم التخيير في البداية، إلا أن الآية تُبين أن الصوم هو الأفضل أخلاقياً وروحياً، لأنه يُهذب النفس، ويُعلم الصبر واليقين، وهو "خير" باعتباره يُقرب إلى الله أكثر من الفدية.
وعي الغاية (إن كنتم تعلمون): يُشير الختام إلى أن التكليف ليس مجرد طقوس، بل هو علم ومعرفة تهذب السلوك، فمن فهم حكمة الصوم، أدرك أبعاده الأخلاقية. و في روايات أهل البيت، تم التأكيد على أن الله لم يفرض الصوم مشقة، بل لتهذيب النفوس وتزكيتها، مع مراعاة الحالة النفسية والجسدية للمكلف. و تحمل هذه الآية الكريمة (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ...) في طياتها وفي ضوء مدرسة أهل البيت (ع) منظومة أخلاقية متكاملة توازن بين التشريع الإلهي وبين الرأفة بالبشر.
إليك أبرز المباحث الأخلاقية المستفادة من الروايات الشريفة:
1. الرفق واليسر (رفع الحرج)
من أعظم الأخلاق الإلهية المجسدة في الآية هي الرفق بالعباد. تشير روايات أهل البيت إلى أن الله تعالى لا يريد إعنات المؤمن.
المبدأ الأخلاقي: التكليف يتبع القدرة. الصيام ليس عقوبة بل رياضة روحية، فإذا تحول إلى ضرر (مرض أو مشقة سفر)، رَفَعَ الله التكليف.
عن الإمام الصادق (ع): "إذا كان الرجل مريضاً لا يطيق الصيام، أو في سفر، فليفطر، فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه".
2. أدب الخطاب والتهوين (التلطف)
بدأت الآية بقوله "أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ".
المبدأ الأخلاقي: في هذا التعبير نوع من التسلية والتلطف مع المكلف؛ لبيان أن زمن العبادة قصير وسريع الانقضاء. هذا يعلمنا في حياتنا الأخلاقية أن نهوّن الصعاب على الآخرين عند طلب المهمات منهم، وتصوير الأمر الشاق بحجمه الحقيقي الذي يمكن تجاوزه.
3. روح المبادرة (التطوع بالخير)
في قوله تعالى: "فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ".
المبدأ الأخلاقي: غرس روح المبادرة الذاتية. الأخلاق الحقيقية لا تقف عند حدود "الواجب" فقط، بل تمتد إلى "الإحسان".
رؤية أهل البيت: التطوع هنا قد يشمل الزيادة في الفدية أو الإطعام أو حتى الصيام المستحب. الإمام الصادق (ع) يرى أن كل خير يفعله الإنسان زيادة على ما فُرض عليه هو نماء لنفسه قبل أن يكون نفعاً لغيره.
4. التكافل الاجتماعي والمسؤولية تجاه الفقراء
جاء ذكر "فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ" كبديل لمن لا يطيق الصيام.
المبدأ الأخلاقي: ربط العبادة الفردية (الصوم) بالهم الاجتماعي (إطعام المسكين). الروايات تؤكد أن الله جعل الفدية طعاماً ليشعر الغني بجوع الفقير، وليتحول العجز عن العبادة البدنية إلى عبادة مالية تخدم المجتمع.
5. قيمة العلم والمعرفة (البصيرة)
ختمت الآية بقوله: "وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ".
المبدأ الأخلاقي: ربط السلوك الأخلاقي بالوعي. الصيام ليس مجرد جوع وعطش، بل هو "صبر" و"تهذيب".
عن أمير المؤمنين (ع): "كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ". الآية تحث على البحث عن الحكمة من العبادة، لأن العمل المبني على علم ومعرفة تكون قيمته الأخلاقية أضعاف العمل التقليدي. و تتضمن الآية الكريمة دلائل أخلاقية رفيعة في روايات أهل البيت (ع)، تركز على الرحمة الإلهية، التدرج في التكليف، ومراعاة ظروف الإنسان (المرض والسفر) لرفع الحرج والمشقة. وتشمل تعزيز قيم التكافل الاجتماعي من خلال الفدية، وتشجيع التطوع، والترغيب في الصوم رغم الرخص.
=الدلائل الأخلاقية في الآية وروايات أهل البيت:
رحمة الله والتيسير (المرض والسفر): تشير الروايات إلى أن إباحة الفطر للمريض والمسافر هي "رحمة" من الله. الآية تؤكد أن الإسلام دين يُسر لا عُسر، حيث يُرخص للمريض والمسافر الفطر منعاً للمشقة.
التكافل الاجتماعي والتراحم (الفدية): قوله {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} يرسخ قيمة العطاء ومساعدة الضعفاء. يُفسر أهل البيت الفدية بأنها واجبة على من يصعب عليهم الصيام (كالشيخ الكبير أو ذوي الأمراض المزمنة) لضمان حصول الفقير على طعامه.
.قيمة التطوع والابتكار في الخير: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} تحث على زيادة "الفدية" (إطعام أكثر من مسكين) أو الصوم تطوعاً، مما يعزز روح المبادرة لفعل الخير.
.الترغيب في الصبر والمثابرة: قوله {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} هو ترغيب أخلاقي في تحمل الصيام وفوائده الروحية والجسدية، رغم وجود رخصة الفطر.
.الاعتراف بحدود الطاقة البشرية: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (آية مكملة) هي قاعدة أخلاقية عامة في التعامل مع النفس والآخرين، ترفض المشقة غير المحتملة.
تؤكد هذه الآية في فقه أهل البيت على أن الصوم ليس مجرد امتناع، بل هو منظومة أخلاقية توازن بين العبادة، الرحمة بالذات، ورعاية المجتمع. تحمل هذه الآية الكريمة في طياتها منظومة أخلاقية متكاملة، وقد سلطت روايات أهل البيت (ع) الضوء على الجوانب الإنسانية والتربوية والرحمانية التي تهدف إليها التشريعات الإلهية.
إليك أبرز الدلائل الأخلاقية المستنبطة من الآية بناءً على مدرسة أهل البيت:
١. أخلاقية "الرفق واليسر" (نفي الحرج)
تؤكد الروايات أن الله تعالى لم يجعل الصوم تعذيباً للبدن، بل تهذيباً للنفس.
الدلالة: إفطار المريض والمسافر ليس مجرد "رخصة" بل هو "عزيمة" (واجب) في كثير من الروايات، تعظيماً لرحمة الله.
.عن الإمام الصادق (ع): «إنَّ اللهَ تَصدَّقَ على مَرضى أُمَّتي ومُسافِريها بالصَّومِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكم إذا تَصدَّقَ بصَدقةٍ أنْ تُرَدَّ عليه؟».
.القيمة الأخلاقية: مراعاة القدرة البشرية وعدم تكليف النفس ما لا تطيق.
٢. المسؤولية الاجتماعية والتكافل (الإطعام)
عندما ذكرت الآية الفدية لمن لا يطيق الصيام (كالشيخ الكبير أو ذي العطاش)، وجهت الأخلاق نحو سد جوع الآخرين.
.الدلالة: ربطت الآية العبادة البدنية (الصوم) بالعبادة المالية والاجتماعية (إطعام المسكين).
.القيمة الأخلاقية: تعزيز روح التكافل، حيث يتحول عجز الفرد عن العبادة إلى باب لرفع المعاناة عن الفقراء.
٣. مبدأ "المسارعة في الخيرات" (التطوع)
في قوله تعالى: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ.
.الدلالة: تشير الروايات إلى أن الزيادة في الفدية أو فعل الخير فوق الحد الأدنى المطلوب هو دليل على سخاء النفس وطيب الذات.
.القيمة الأخلاقية: الانتقال من "أخلاق الواجب" (فعل ما يجب فقط) إلى "أخلاق الإحسان" (القيام بما هو أفضل وأجمل).
٤. قيمة العلم والوعي بالعبادة
.ختام الآية بقوله: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
.الدلالة: في مدرسة أهل البيت، العبادة بلا معرفة هي جسد بلا روح. العلم هنا يشمل إدراك المصالح الصحية والروحية والاجتماعية للصوم.
.القيمة الأخلاقية: الحث على طلب العلم والتفكر في فلسفة التشريع، ليكون الالتزام نابعاً عن قناعة وحب لا عن إكراه.
٥. احترام "أيام الله" والتقدير الزمني
وصف الأيام بأنها مَعْدُودَاتٍ.
.الدلالة: في هذا تعزية للمؤمن بأن المشقة مؤقتة وسريعة الزوال، وتحفيز له لاغتنام الفرص.
.القيمة الأخلاقية: إدارة الوقت وتقدير الفرص المتاحة للنمو الروحي قبل فواتها.
=خـلاصـة البحث:
تتمثل الخلاصة الأخلاقية للآية الكريمة في روايات أهل البيت (ع) في إرساء مبادئ التيسير، والرحمة الإلهية، والموازنة بين الواجب ومراعاة ظرف المكلّف. أبرز القيم الأخلاقية هي:
.رفع الحرج: التخفيف عن المريض والمسافر، فالإسلام دين يسر لا عسر.
.قيمة الإطعام: تعظيم دور الفدية (طعام مسكين) كبديل أخلاقي لضمان التكافل الاجتماعي.
.تفضيل التطوع: الترحيب بزيادة الفدية أو الصيام رغم الرخص لتعزيز روح العطاء.
.فضل الصوم: رغم الرخص، يبقى الصوم "خيراً" للمؤمن في تهذيب النفس.
-التفصيل بناءً على روايات وتفاسير أهل البيت:
1.أياماً معدودات: إشعار النفس بأن المشقة مؤقتة، مما يزرع الصبر واليقين.
2.رخصة الفطر: المريض والمسافر يجب عليهم القضاء، وفيها درس أخلاقي بأهمية الحفاظ على الصحة وعدم إرهاق الجسد.
3.الفدية (طعام مسكين): تشريع إنساني يعلمنا مراعاة الفقراء والمساكين عند التعذر عن الصيام.
4.فمن تطوع خيراً: الحث على الإحسان وزيادة العطاء (زيادة الطعام للمسكين).
5.وأن تصوموا خير لكم: حث على الصبر والارتقاء بالنفس، فالصوم أفضل من الإفطار مع الفدية إذا لم يكن هناك مشقة.
..و باختصار:- تحمل هذه الآية الكريمة في طياتها منظومة أخلاقية متكاملة تظهر من خلال تفسيرات وروايات مدرسة أهل البيت (ع)، وهي تتجاوز مجرد "الحكم الفقهي" لتصل إلى "الروح الأخلاقية" للتشريع الإسلامي.
إليك الخلاصة الأخلاقية لهذه الآية وفقاً لمدرسة أهل البيت:
1. أخلاقية "اليسر ورفع الحرج"
تؤكد الروايات عن أئمة أهل البيت أن الله تعالى لا يريد تعنيت العباد. الصيام ليس عقوبة، بل هو رياضة روحية.
المبدأ الأخلاقي: مراعاة القدرة البشرية. فالمرض والسفر مبررات أخلاقية وشرعية للفطر، ومن يصرّ على الصيام في حال الضرر أو المشقة الشديدة (في السفر أو المرض) فقد خالف السُّنة، لأن "الله يحب أن تُؤتى رخصه كما يحب أن تُؤتى عزائمه".
2. التكافل الاجتماعي (إطعام المسكين)
عندما يعجز الإنسان عن الصيام لعلة دائمة (كالشيخوخة أو المرض المزمن)، يتحول الواجب البدني إلى واجب اجتماعي.
المبدأ الأخلاقي: ربط العبادة الفردية بالمنفعة الجماعية. الفدية ليست مجرد غرامة، بل هي سدّ لخلة الفقير، مما يرسخ مبدأ أن العبادة الحقيقية لا تنفصل عن الشعور بآلام الآخرين واحتياجاتهم.
3. ثقافة "المسارعة والتطوع"
في قوله تعالى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ}، تشير الروايات إلى أن الزيادة في الإحسان (سواء بزيادة الفدية أو فعل الخيرات) هي رفعة للدرجات. أقول قولي و أستغفر الله لي وللمؤمنين و المؤمنات و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على خير الخلق أجمعين محمد و آلهِ الميامين الهادين المهدين و صحبه المنتجبين
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب
د. عبد الجليل البصري
7رمضان1447هــ
25 / 2 / 2026مــ