عنوان المقال/ تأملات أخلاقية – الإحسان: القسم الثالث.
أعوذُ بالله السميع العليم
من الشيطان اللعين الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
تأملات أخلاقية – الإحسان: القسم الثالث. . .
قال تعالى { وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِیَّاهُ وَبِٱلۡوَ ٰلِدَیۡنِ إِحۡسَـٰنًاۚ إِمَّا یَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَاۤ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَاۤ أُفࣲّ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلاً كَرِیمًا } [ الإسراء23]
*المبحث الموضوعي:
تتضمن الآية محاور موضوعية هامة ترسم دستوراً للعلاقة بين العبد وربه، وبين العبد ووالديه، ويمكن تلخيص البحث الموضوعي لها في النقاط التالية:
1. توحيد الألوهية كأساس للتشريع:
قرن الله عز وجل عبادته بالإحسان للوالدين، مما يدل على عظم شأن البر.
كلمة "قضى" هنا تأتي بمعنى الأمر الجزم والوصية الواجبة.
2. الإحسان الشامل للوالدين:
جاء لفظ "إحساناً" نكرة ليفيد الشمول؛ أي كل أنواع الإحسان القولي والفعلي والمادي.
ربط الإحسان بحالة "الكبر" خصيصاً لأن الوالدين في هذه المرحلة يكونان في أحوج حالاتهما للرعاية والرفق.
3. مراتب الأدب والنهي عن الإيذاء:
النهي عن أدنى مراتب التبرم: (فلا تقل لهما أف) وهي أقل كلمة تدل على الضيق، مما يعني أن ما فوقها من باب أولى في التحريم.
النهي عن الزجر: (ولا تنهر هما) أي عدم رفع الصوت عليهما أو مخاطبتهما بغلظة.
4. واجب القول الكريم:
(وقل لهما قولاً كريماً) وهو القول اللطيف، الطيب، المقترن بالاحترام والتعظيم، واختيار أحسن الألفاظ التي تسر قلوبهما.
5. الملامح التربوية في الآية:
التأكيد على رد الجميل والوفاء.
بيان أن حق الوالدين هو آكد الحقوق بعد حق الله تعالى.
مراعاة الحالة النفسية والجسدية لكبار السن. و البحث الموضوعي لهذه الآية الكريمة يدور حول وجوب توحيد الله تعالى وربط الإحسان بالوالدين به، وتأكيد أقصى درجات البر بالوالدين عند الكبر، من خلال النهي عن أدنى الأذى (أُفٍّ) والزجر، والأمر بالقول اللين الكريم، وخفض جناح الذل من الرحمة، والدعاء لهما، لتشمل الوصاية جميع مراحل الحياة.
=المحاور الرئيسية للبحث:
1.توحيد الألوهية والبر: الآية تبدأ بالأمر بعبادة الله وحده، ثم تقرن ذلك فورًا بالإحسان للوالدين، مؤكدة أن بر الوالدين جزء أصيل من التوحيد، كما يظهر في.
2.مرحلة الكبر والحاجة: التركيز على حالة بلوغ الوالدين سن الكبر حيث تضعف قواهما، فتزداد حاجتهما للرعاية واللطف، مما يستوجب أقصى درجات الإحسان، بحسب ما ورد في.
3.مفهوم الأذى في الآية (أُفّ ولا تنهر هما):
>"أُفّ": أقل كلمة تدل على الضجر والتضايق، والنهي عنها يعني النهي عن كل أذى لفظي ولو كان بسيطًا، كما في.
>"لا تنهر هما": النهي عن الزجر والتكلم بخشونة، لئلا يظن الولد أن هذا تأديب وليس إحسانًا، كما في.
4.مفهوم القول الكريم وخفض الجناح:
>"قولاً كريماً": كلام حسن طيب، ليّن لطيف، يلذّ على قلب الوالدين، مع مراعاة الأحوال، كما ذُكر في.
>"خفض جناح الذل من الرحمة": التواضع الكامل لهما، كالطائر الذي يضم جناحيه خضوعاً، لإزالة الوحشة وتأكيد الحاجة والرغبة في نفع الوالدين، كما في.
5.شمولية الوصاية (الصغر والكبر): الآية تجمع بين حال الكبر (إما يبلغن عندَك الكبر) وحال الصغر (كما رباني صغيراً) لتشمل وصاية الوالدين في جميع مراحل عمر الإنسان، كما في.
6.الخلاصة والتطبيق: الآية تضع منهجًا كاملاً للتعامل مع الوالدين عند الحاجة، وهو منهج يجمع بين الرحمة والتذلل لهما، ويؤكد أن برهما من أجل الأعمال الصالحة بعد الصلاة، كما في.
*المبحث الأخلاقي:
تقدم الآية الكريمة منهجاً أخلاقياً متكاملاً يقوم على ترابط العقيدة بالعمل السلوكي، ويمكن تلخيص البحث الأخلاقي فيها في النقاط التالية:
1. الربط بين التوحيد وبر الوالدين:
قرن الله عز وجل عبادته بالإحسان للوالدين، مما يرفع برهما من مجرد واجب اجتماعي إلى "ضرورة عقائدية" وقمة الهرم الأخلاقي بعد حق الخالق مباشرة.
2. شمولية مفهوم الإحسان:
كلمة "إحسانًا" جاءت نكرة ومطلقة، لتشمل كل صور الخير: المادي (نفقة ورعاية)، والمعنوي (كلمة طيبة وملاطفة)، والخدمي (مساعدة في الشؤون اليومية).
3. الأخلاق في أدق التفاصيل (أدب الخطاب):
وضعت الآية ضوابط صارمة للتعامل اللفظي:
النهي عن "أف": وهي أقل مراتب التضجر، مما يعني تحريم أي إشارة أو صوت يوحي بالضيق، فضلاً عن الكلام الجارح.
النهي عن النهر: وهو الزجر ورفع الصوت، مما يؤسس لخلق "الحلم" و"الصبر".
الأمر بـ "القول الكريم": وهو الكلام الجامع للطف، و التوقير، والمحبة.
4. مراعاة الحالة النفسية والجسدية (مرحلة الكبر):
خصت الآية "الكبر" بالذكر لأن الوالدين في هذه المرحلة يصبحان في حالة ضعف وحاجة ماسة للعطف، مما يختبر صدق الأخلاق؛ فالإحسان الحقيقي هو الذي يستمر حين يصبح الوالدان "عبئاً" بمقاييس المصلحة المادية.
5. خلق التواضع والرحمة:
تستكمل الآية التالية (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) هذا البحث الأخلاقي، حيث تطلب من الابن أن يتذلل لوالديه طواعية، ليس عن ذل هوان، بل عن "رحمة" ووفاء، وهو قمة التواضع الإنساني.
و هذه الآية الكريمة تحمل بحثاً أخلاقياً عميقاً يربط بين توحيد الله سبحانه والإحسان للوالدين في أقصى حالات احتياجهما (الكبر)، وتنهى عن أدنى الإيذاء (أُفٍّ)، وتأمر بألطف القول (قولاً كريماً)، وأشد التواضع رحمةً وخفضاً للجناح، مؤكدة على شكر الوالدين وتذكير الأبناء بتجاوز إحسانهم في الصغر، لترسخ قيماً عليا من التوحيد والبر والرحمة والتواضع.
=أركان البحث الأخلاقي في الآية:
1-الربط بين التوحيد والبر: الآية تبدأ بـ "وَ قَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ" وتتبعها بـ "وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا"، وهذا يربط بين حق الله المطلق وحق الوالدين العظيم، كأنهما لا ينفصلان في وجوب الطاعة والبر.
2-شمولية الإحسان للوالدين: تأمر بالبر بأشكاله القولية والفعلية، خاصة في مرحلة الكبر حيث يشتد ضعفهما وحاجتهما للرعاية.
3-النهي عن أدنى الأذى: تحريم قول "أُفٍّ" يحرم ما هو أشد، ويشمل كل ما يظهر الضجر أو عدم الرضا.
4-الأمر بالقول الكريم: "وَقُل لَّهُمَا قَوۡلًا كَرِيمًا" يعني الكلام اللين، المهذب، الذي يسر قلبيهما، ويختلف باختلاف الأزمان والعادات، ويحفظ كرامتهما.
5-التواضع المطلق: "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ" يجسد غاية التواضع والخضوع لهما من باب الرحمة، كما يخفض الطائر جناحيه لينزل، وهو تأدب من الولد تجاه من رباه صغيراً.
6-الشكر والدعاء: الدعاء لهما بالرحمة "وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا" يذكر الولد بتضحياتهم ويعمم الإحسان ليشمل مرحلة الصغر والكبر، ويغلق كل عذر للتقصير.
=الخلاصة الأخلاقية:
الآية تؤسس لمبدأ "المجازاة بالفضل لا بالعدل"؛ أي أن تعامل والديك ليس بقدر ما يقدمون لك الآن، بل بموجب حقهم التاريخي عليك وبموجب الأمر الإلهي الذي جعل طاعتهم من طاعته. و الآية تقدم نموذجاً سلوكياً متكاملاً يرتكز على الإيمان بالله ومقابل إحسان الوالدين بأقصى درجات البر واللين والتواضع، وتأمر بالتربية الأخلاقية المستمرة لهما، من الصغر إلى الكبر، لتحقيق أعلى معاني البر والرحمة.
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب/ د. عبد الجليل البصري
الثلاثاء30 رجب1447هــ
الموافق20/1/2026مــ