تأملات أخلاقية/ [ السخرية ]
أعوذ بالله السميع العليم
من الشيطان الغوي اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على إحسانه و له الشكر على توفيقه و امتنانه و اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه و اشهد ان سيدنا محمد عبده و رسوله الداعي إلى رضوانه صلوات ربي وسلامه عليه و على آله الغر الأكرمين و خلانه و اخوانه و من اهتدى بهديه و تمسك بشريعته إلى يوم الدين. أما بعد
أولاً أعتذر عن هذا الانقطاع بسبب وعكتي الصحية و ذلك لإصابتي بانفلوزا و متحور فايروس كوفيد19 و بحمد الله بعد العلاج و تحسن حالتي الصحية عُدتُ بينكم لأكون معكم و أُشارككم أعمالكم القيمة و اُطالع منشوراتكم الرائعة و شكراً لكل مَن افتقدني و تواصل معي للاطمئنان على صحتي أسال الله سبحانه و تعالى أن يديم عليكم نعمة الصحة و يلبسكم ثوب العافية و يجنبكم كل مكروه بحق محمد و آل محمد.
اليوم لدينا موضوع في غاية الأهمية وله من التأثيرات السلبية على الفرد و المجتمع ألا و هو موضوع [ السخرية ]
تأملات أخلاقية/ السخرية
قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾
*المبحث الأخلاقي لهذه الآية:
تتضمن الآية مبحثًا أخلاقيًا ينهى عن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب، مؤكداً على أن من يفعل ذلك فهو ظالم لنفسه ويجب عليه التوبة. توضح الآية أن هذه الأفعال تسبب الكراهية والبغضاء، وتحط من قيمة الإنسان، وأن المؤمن يجب أن يتسامى عن هذه الأخلاق السيئة. كما تؤكد الآية أن السخرية والهمز واللمز هي من أعمال الفسوق بعد الإيمان، وأن من لم يتب منها فهو ظالم، كما قال {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}.
*المحاور الأخلاقية للآية:
-النهي عن السخرية والازدراء: تحرم الآية السخرية من الآخرين واحتقارهم، لأن المحتقر قد يكون له عند الله مكانة أعلى من الساخر، ولهذا قالت الآية: "عسى أن يكونوا خيراً منهم".
-النهي عن اللمز والطعن: تمنع الآية طعن الناس ببعضهم البعض، سواء بالفعل أو بالقول، حيث يعتبر ذلك من أخلاق الفسوق التي تسبب العداوة والبغضاء.
-النهي عن التنابز بالألقاب: تنهى الآية عن استخدام الألقاب المهينة أو التي يكرهها أصحابها، لما لذلك من أثر سلبي على العلاقات الاجتماعية.
-وجوب التوبة: تؤكد الآية على ضرورة التوبة من هذه الأفعال، وأن من لم يتب منها فهو من الظالمين، حيث يتعدى على حقوق الآخرين ويظلم نفسه أيضاً بإضاعتها للعقاب، كما ورد في قوله تعالى: "ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون".
-أثر السلوك على المجتمع: تبيّن الآية أن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب تزرع الكراهية وتؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، وتعيق بناء الثقة والاحترام المتبادل، مما يؤثر سلباً على المجتمع واستقراره، و تضمن الآية الكريمة آنفة الذكر مجموعة من المبادئ والأحكام الأخلاقية العظيمة التي تهدف إلى بناء مجتمع إسلامي متماسك وقائم على الاحترام المتبادل:
*الأحكام الأخلاقية:
1.النهي عن السخرية والاحتقار:
تحرم الآية السخرية والاستهزاء بالآخرين، سواء كانوا رجالاً أم نساءً. السبب الأخلاقي هو أن المقياس الحقيقي للفضل عند الله تعالى هو التقوى وصلاح القلوب، وليس المظاهر الخارجية أو المكانة الاجتماعية. قد يكون الشخص المسخور منه أفضل وأعظم قدراً عند الله من الساخر.
السخرية هي مظهر من مظاهر الكبر المذموم، الذي يؤدي إلى احتقار الناس والتقليل من شأنهم.
2.النهي عن اللمز (الطعن والعيب):
"ولا تلمزوا أنفسكم" أي لا يطعن بعضكم على بعض، أو يعيب بعضكم بعضاً. اللمز يشمل العيب بالقول والإشارة والفعل، وهو سلوك مذموم يؤدي إلى إفساد العلاقات الاجتماعية.
التعبير بـ "أنفسكم" يشير إلى أن المؤمنين كالجسد الواحد، فعيبك لأخيك هو عيب لنفسك.
3.النهي عن التنابز بالألقاب:
تحرم الآية إطلاق الألقاب القبيحة أو التي يكرهها الشخص ويتأذى من سماعها على الآخرين.
هذا النهي يهدف إلى صيانة كرامة الإنسان وحفظ مشاعره، ومنع الأذى النفسي بين المسلمين.
الألقاب الحسنة التي يحبها الناس لا تدخل في هذا النهي، بل هي مستحبة كنوع من الأدب والتكريم.
4.التحذير من الفسوق والظلم:
تصف الآية من يصر على هذه الأفعال القبيحة دون توبة بأنه قد ارتكب "الفسوق" بعد الإيمان، وهو خروج عن طاعة الله ومبادئ الإيمان الحقة.
"ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون". هذا وعيد شديد لمن يستمر في هذه الممارسات، ويعتبرهم ظالمين لأنفسهم ولغيرهم، مما يستوجب التوبة النصوح والرجوع إلى الخلق القويم.
*المبدأ العام:
تدعو الآية إلى الاحترام المتبادل، التسامح، حفظ الكرامة الإنسانية، ونبذ كل ما يثير الضغائن والأحقاد في المجتمع الإسلامي، وتعتبر هذه الأخلاق جزءاً لا يتجزأ من الإيمان. و تتعلق مباحث هذه الآية في روايات أهل (عليهم السلام ) بالنهي الشديد عن السخرية واللمز والتحقير بين المؤمنين، مع تأكيد على أن ذلك يُعتبر فسوقًا وظلمًا للنفس وللآخرين، وأن الإيمان الحق يقتضي التوبة من هذه الأفعال وإلا فقد حقت على فاعلها صفة الظلم. و من تلك الأفعال--
-السخرية والاحتقار
تؤكد الروايات على تحريم السخرية والاستهزاء بالآخرين، لأنها قد تدل على استكبار صاحبها، ولأن المحتقر قد يكون عند الله أعظم قدرًا من الساخر.
يشمل هذا النهي الرجال والنساء على حد سواء.
-اللمز والتنابز بالألقاب
يُنهى عن عيب الناس بعضهم بعضًا (اللمز) سواء بالفعل أو بالقول، وتجنب استخدام الألقاب المشينة التي تولّد الأحقاد.
يشمل ذلك أن لا يقلب الشخص أخاه بلقب يكره أن يُطلق عليه.
-الفسوق والظلم
يصف القرآن التنابز بالألقاب بأنه "فسوق" (خروج عن طاعة الله) و"اسم" قبيح، وأن هذا الاسم بديل سيء عن الإيمان.
يُعتبر كل من لم يتب من هذه الأفعال ظالمًا لنفسه ولإخوانه، وأن الظلم هنا يقع على فاعله بسبب تجرؤه على ما نهى الله عنه.
يُشدد على أن التوبة واجبة، ومن لم يتب فقد وقع في الظلم المحض. و قد ناولت روايات أهل البيت (عليهم السلام) المبحث الأخلاقي للآية الكريمة من سورة الحجرات، مؤكدة على حرمة الأفعال المذكورة وكونها من الكبائر التي تخرج صاحبها من دائرة الإيمان الكامل، ومن أهم ما ورد في تفسيرهم:
*أهم النقاط الأخلاقية الرئيسية:
.حرمة السخرية (الاستهزاء): أكدت الروايات أن السخرية هي احتقار المؤمن والاستخفاف به، وقد يكون المسخور منه أفضل عند الله من الساخر. وورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير "لا يسخر قوم من قوم": "لا يهزأ رجل من رجل، فربما كان المهزأ به خيراً من الهازئ".
.اللمز (الطعن والعيب): أشارت الروايات إلى أن المقصود بـ "ولا تلمزوا أنفسكم" هو ألا يطعن بعضكم على بعض بالقول أو الفعل، لأن المؤمنين كالجسد الواحد، فمن لمز أخاه فكأنما لمز نفسه.
.التنابز بالألقاب: حذرت الروايات بشدة من إطلاق الألقاب القبيحة أو التي يكرهها المؤمن على أخيه المؤمن، واعتبرتها من الأفعال التي تسبب التنافر والفرقة بين المسلمين.
.الفسوق بعد الإيمان: اعتبر أهل البيت (عليهم السلام) أن هذه الأفعال (السخرية، اللمز، التنابز) هي من الفسوق، أي الخروج عن طاعة الله، وأن من يرتكبها بعد أن دخل في الإيمان يكون قد ارتكب ذنباً عظيماً يهدد إيمانه.
.الظلم ووجوب التوبة: الآية تختتم بوصف من لم يتب من هذه الذنوب بأنه من "الظالمين". وهذا يدل على أن هذه الأفعال تندرج تحت مسمى الظلم للنفس وللآخرين، وضرورة التوبة النصوح منها للعودة إلى حظيرة الإيمان الحقيقي.
.التحذير من العواقب: ورد عنهم التحذير من أن هذه الذنوب قد تحبط الأعمال الصالحة وتؤدي إلى الابتعاد عن خط الإيمان بشكل تدريجي لا يشعر به صاحبها. وفي المحصلة، شددت روايات أهل البيت على أن هذه الآية ترسي قواعد أساسية في بناء مجتمع إسلامي متماسك قائم على الاحترام المتبادل، وصيانة كرامة المؤمن، وتجنب كل ما يسيء إلى الآخرين من قول أو فعل.
اللَّهمّ إني أسألك أن تعينني على صون لساني عن الغيبة والنميمة والبهتان وشهادة الزور. اللَّهمّ احفظ لساني من الطعنِ بأعراض الناس، والهمز بخلق الله، واللَّمز بعبادك، واحفظ لساني عن السبِّ وأذية الناس. اللهم احفظ لساني عن كلّ ما لا يرضيك قوله، واجعل لي عليه سلطاناً فلا أقول إلا حقاً، ولا أشهد إلا صدقاً يا رب العالمين. اللهمّ اكفِني الغيبة وشرّها والنميمة وضررها يا رب العالمين. اللهم إني أعوذ بك من فتنة اللسان، وأعوذ بك من شرِّ الفِتَن ما ظهر منها وما بطن يا أكرم الأكرمين. اللّهمّ اعصِمني من الزَّلَل في القول والعمل، ونجِّني من سوءِ القول والخلق والعمل. اللهمّ اجعل لساني بذكرك عامراً، ولآياتك تالياً، وإلى الحقّ داعياً يا رب العالمين. اللهمّ اجعلني ممن يحفظون ألسِنَتَهم قبل أن تقودهم وساوس الشيطان إلي أكل لحوم البشر يا رب العالمين. اللهمّ اجعلني ممن لا يقولوا إلا خيراً يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلني ممّن يكثرون الصمت إلا بالحق والخير والذّكر يا رب العالمين. و صلى الله على محمد و آل محمد
المستشار الإعلامي في العلوم الدينية
الخطيب/ عبد الجليل البصري