عنوان المقال / المذاهب الأخلاقية
أعوذُ بالله السميع العليم
من الشيطان اللعين الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي دل على قدرته، وأبان عن حكمته، باختلاف ما خلق من الصور، وتباين ما أنشأ من الفطر، من مَلَكٍ و جانٍّ و طائرٍ و بهيمةٍ و إنسان، يمسح صفحات التراب، ويأخذ بإهاب السحاب، وحنش ينطوي على أدراجه، ويستوي مرةً في اعوجاجه، إلى غير ذلك من خلقٍ مختلفة، وأجرام متباينة، حقيرها جليلٌ، وصغيرها كبيرٌ، وجعل منافعها متاعاً للإنسان الذي كرمهُ تكريماً، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً، وصلى الله على سيدنا محمد و آله وسلم تسليماً.
أما بعد . . .
تأملات أخلاقية/ المذاهب الأخلاقية
قال تعالى ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
*التفسير الأخلاقي :
-التفسير الأخلاقي لهذه الآية المباركة: يكمن في ضرورة اتباع الطريق المستقيم الذي وضعهُ الله سبحانهُ و تعالى للبشرية، وهو طريق الإيمان والتوحيد، وعدم سلوك الطرق المنحرفة التي تشتت عن الحق وتؤدي إلى الضلال والانقسام. ويؤكد الله جلَّ إسمه على هذه الوصية كسبيل لتقواه والفوز والفلاح، لأن اتباع سبل الضلال يؤدي إلى الانقسام في الدين والدنيا.
-التأكيد على طريق الحق: الآية تأمر باتباع صراط الله المستقيم، وهو الطريق المعتدل والسهل الذي يؤدي إلى رضا الله وفوزه و التحذير من طرق الضلال و تُحذر الآية بشدة من اتباع السبل الأخرى التي تخالف طريق الحق، لأنها تؤدي إلى الضياع والتفرق عن الصراط المستقيم،
-الغاية الأخلاقية: الهدف من هذه الوصية هو تقوى الله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وذلك لتحقيق الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة.
-مفهوم التفرق: التفرق عن سبيل الله يعني الضياع والانقسام في العقيدة والسلوكيات، والبعد عن الهداية، ولهذا يُنصح بتجنب كل ما يسبب ذلك.
و تقدم الآية القرآنية الكريمة آنفة الذكر مجموعة من التوجيهات الأخلاقية الأساسية التي تنظم علاقة الإنسان بربه وبالمجتمع، ويمكن تلخيص التفسير الأخلاقي للآية فيما يلي:
1. الالتزام بالمنهج الإلهي الواحد (الصراط المستقيم)
الآية تدعو إلى اتباع طريق الله الواحد الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام وما جاء فيه من أوامر ونواهٍ وتشريعات.
القيمة الأخلاقية: الاستقامة والوضوح والالتزام بالحق. هذا يتطلب من المسلم أن يكون سلوكه وأقواله وأفعاله متوافقة مع هذا المنهج القويم، بعيداً عن التذبذب أو التناقض.
2. الحذر من التفرق والاختلاف (تجنب السبل)
تحذر الآية بشدة من اتباع "السبل" المختلفة، وهي كل الطرق المخالفة لمنهج الله، من مذاهب باطلة، أو أهواء شخصية، أو فلسفات منحرفة.
القيمة الأخلاقية: الوحدة والتماسك ونبذ الفرقة. اتباع السبل يؤدي إلى التيه والضلال والفرقة بين الناس، بينما الالتزام بالصراط المستقيم يحقق الوحدة والتآلف بين المؤمنين على أساس الحق المشترك.
3. تحقيق التقوى كنتيجة للسلوك القويم
الآية تختتم ببيان الغاية من هذه الوصايا: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
القيمة الأخلاقية: التقوى هي الهدف الأسمى للتشريعات الأخلاقية في الإسلام. الالتزام بالصراط المستقيم واجتناب السبل الأخرى هو الطريق العملي لتحقيق التقوى، وهي حالة من الوعي الدائم بالله والخوف من عقابه، تدفع الإنسان لفعل الخير وترك المنكر.
4. التوصية الإلهية الملزمة
الإشارة إلى أن هذه توجيهات إلهية مباشرة: ﴿ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ﴾ تضفي عليها صفة الإلزام والجدية.
و بهذا تكون القيمة الأخلاقية هو الشعور بالمسؤولية والطاعة لأوامر الخالق، والاعتراف بأن هذا الطريق هو ما ارتضاه الله لعباده لينالوا الفوز والفلاح.
و باختصار، التفسير الأخلاقي للآية يدعو إلى التوحيد في المنهج والسلوك، والابتعاد عن التشتت والضلال، لتحقيق مجتمع متماسك مبني على الاستقامة والتقوى.
*المباحث الأخلاقية المستنبطة من الآية:
تستمد المباحث الأخلاقية لهذه الآية من خلال تفسيرها عند أهل البيت (عليهم السلام) على أن الصراط المستقيم هو ولاية الله، ممثلة في طريق النبي (صلى الله عليه و آله) وأهل بيته (عليهم السلام). فالآية تحث على اتباع صراط الحق الذي يوصل إلى الله، وتحذر من اتباع السبل الأخرى التي تؤدي إلى التفرق والضلال. هذا الأمر يمثل وصية إلهية لغرض تحقيق التقوى لدى الأفراد و هي تأتي بعدة مستويات نذكر منها .
.وحدة الهدف وغموض المسارات: الآية تؤكد أن طريق الله (الصراط المستقيم) هو واحد، بينما طرق الضلال متعددة، ولكل منها مسار يؤدي إلى الضلال والبعد عن الحق.
.الاستقامة والاعتدال: "الصراط المستقيم" يعني الطريق الواضح المعتدل الذي لا اعوجاج فيه، ويشير إلى معرفة الحق والعمل به.
.التفرّق والضلال: مخالفة الصراط المستقيم تؤدي إلى التفرق والضلال، وتأخذ الإنسان بعيدًا عن سبيل الله.
.الوصاية الإلهية: الله تعالى يوصي عباده باتباع الصراط المستقيم ويحذرهم من اتباع السبل الأخرى، وهذا يهدف إلى تحقيق التقوى في قلوبهم.
.أهمية اتباع الولاية: من خلال تفسيرات أهل البيت، يُفهم أن الصراط المستقيم هو ولاية الله وأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وأن اتباعهم هو سبيل النجاة والفوز في الدنيا والآخرة.
.التقوى: الهدف الأسمى لاتباع الصراط المستقيم هو تحقيق التقوى، التي تعني امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.
و تُعدّ هذه الآية الكريمة قاعدة أخلاقية وتشريعية عظيمة، وقد وردت عن أهل البيت عليهم السلام روايات متعددة في تفسيرها، مؤكدة على أن الصراط المستقيم يتمثل في اتباعهم والتمسك بولايتهم، وأن السبل المتفرقة هي كل ما عدا ذلك من طرق الضلال.
وتتلخص المباحث الأخلاقية المستفادة من الآية الكريمة حسب تفسير أهل البيت عليهم السلام في النقاط التالية:
1. الوحدة والاعتصام بالحق
المبحث الأساسي هو الدعوة إلى الوحدة والاعتصام بحبل الله المتين (وهو الصراط المستقيم)، والابتعاد عن الفرقة والاختلاف. الصراط واحد لا يتعدد، بينما السبل كثيرة ومتشعبة تؤدي إلى التيه والضلال.
2. الصراط المستقيم هو الإمامة والولاية
ورد في العديد من الروايات عن أهل البيت عليهم السلام أن المقصود بـ "صراطي المستقيم" هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة من بعده. فهم الأبواب التي يُؤتى منها إلى الله، والسبيل الواضح لمعرفته وطاعته. ومن ذلك:
عن أبي عبد الله (الإمام الصادق) عليه السلام في تفسير الآية قال: " هو والله عليٌّ، هو والله الصراط والميزان".
وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " إنّ اللّه تبارك وتعالى لو شاء لعرّف العباد نفسه، ولكنْ جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله والوجه الذي يُؤتى منه، فمن عدَلَ عن ولايتنا، أو فضّل علينا غيرنا فإنّهم عن الصراط لناكبون".
3. اجتناب السبل (طرق الضلال)
"السبل" المنهي عن اتباعها هي كل ما يخالف الصراط المستقيم، وتشمل:
الانحراف عن خط الولاية: كل المذاهب والآراء والطرق التي لا تتبع هدي الأئمة المعصومين عليهم السلام.
البدع والأهواء: كل ما ابتدعه الناس في الدين من دون سند شرعي صحيح.
الظلم والباطل: كل مسلك يؤدي إلى البعد عن الحق والعدل.
4. التمسك بالوسطية والاعتدال
وصف الإمام الحسن العسكري عليه السلام الصراط المستقيم في الدنيا بأنه: " ما قصر عن الغلوّ، وارتفع عن التقصير، واستقام فلم يعدل إلى شيءٍ من الباطل". وهذا يدعو إلى سلوك المسار المتوازن والمتوسط في الدين والأخلاق، بعيداً عن الإفراط والتفريط.
5. التقوى كغاية أخلاقية
تختتم الآية بقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. الغاية من اتباع هذا الصراط واجتناب السبل هي الوصول إلى حالة التقوى، وهي امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه. وهذا يشمل الجوانب الأخلاقية والسلوكية التي تجعل الإنسان عبداً صالحاً ومفلحاً.
باختصار، المباحث الأخلاقية للآية الكريمة تتمحور حول ضرورة التوحيد في المسار والسلوك، والمتمثل في اتباع القيادة الإلهية المتمثلة في أهل البيت عليهم السلام، والابتعاد عن كل ما يسبب الفرقة والضلال، لتحقيق الهدف الأسمى وهو التقوى.
*الخلاصة و نتيجة:
بعد التوضيح لما تقدم من مباحث أخلاقية للآية المباركة تأتي النتائج بما يلي:
( إن أساس هذه المذاهب الأخلاقية، هو الإيمان بربوبيّة اللَّه تعالى، الذي هو الكمال المطلق و مُطلق الكمال و أوامره ساريةٌ و جاريةٌ على جميع العالم، وكمال الإنسان في تطبيق صفاته الجلالية و الجماليّة، و القرب من اللَّه تعالى أكثر فأكثر). هذا لا يعني أنّه لا أثر للصفات الأخلاقية في إنقاذ الإنسان والمجتمع البشري، من عناصر الشّر وقوى الإنحراف، ولكن وفي نظرةٍ إسلاميّةٍ عالميّةٍ صحيحةٍ، أنّ العالم عبارةٌ عن وحدةٍ متماسكةٍ، وأنّ واجب الوجود هو قُطب هذه الدائرة، و ما عداه مُتّصل به و مُعتمد عليه، و في الوقت نفسه هناك علاقة و إنسجام تام بين المخلوقات، فكلّ شيء يساعد على إصلاح المجتمع البشري وتطهيره من البؤر وأشكال الخلل الأخلاقي، فسيكون عاملًا مؤثراً في إصلاح الفرد في دائرة السّلوك الأخلاقي، وبالعكس. وبعبارة اخرى: إنّ القيم الأخلاقيّة لها إزدواجيّة في التأثير، فتصنع الفرد والمجتمع على السّواء، لذا يأتي سؤال هو. . .
*الأخلاق فردية أم مجتمعية؟:
قد يعتقد البعض أنّ كلّ الاسس الأخلاقية، تعود إلى العلاقات الاجتماعية مع الآخرين، فلو انعدم المجتمع وعاش الإنسان وحيداً فريداً، أو أنّ كلّ إنسان عاش مستقلًاّ عن الآخر، لا يعرف عنه شيء، فلن يكون هناك مفهوم للأخلاقي أصلًا!، لأنّ الحسد و التّواضع والكِبَر، و حُسن الظّن، والعدالة والجَور والعفّة والكَرم، كلّها من المسائل الّتي لا يتجلى مفهومها إلّا بوجود المجتمع خاصّة، وتعامل النّاس مع بعضهم البعض، و بناءً على هذا، فإنّ الإنسان بدون المجتمع، يساوي الإنسان من دون أخلاق, ولكن بعقيدتنا، وعلى الرّغم من الاعتراف، بأنّ كثيراً من الفضائل والرّذائل الأخلاقيّة، لها علاقة مباشرة بالحياة الاجتماعية، ولكنّها ليست بصورةٍ مطلقةٍ، فكثيرٌ من الأخلاق لها جوانب فردية، و تصدق على الإنسان الوحيد بصورةٍ خاصةٍ، فمثلًا الصّبر والجزع، والشّجاعة والخوف، والمشاجرة والكسل، وأمثال ذلك من الحالات والصّفات النّفسية التي تفرضها حالات الصّراع مع الطّبيعة، وكذلك الغفلة والشّعور تّجاه الخالق الكريم، و الشّكر والكفران, لنعمه التي لا تُحصى، وما شابه تلك الامور، الّتي بحثها علماء الأخلاق في كتبهم، وعدّوها من الفضائل أو الرّذائل، فكلّ تلك الامور يمكن أن تدخل في الإطار الفردي للسّلوك، وتصدق على الإنسان المعزول عن المجتمع ومن هنا يتبيّن أنّ الأخلاق على قسمين: «أخلاقٌ فرديّةٌ» و «أخلاقٌ اجتماعية». و من المعلوم أنّ الأخلاق الاجتماعية، التي لها الثّقل الأكبر في علم الأخلاق، وصياغة شخصيّة الإنسان: تدور حول هذا المحور، وإن كنّا لا ننسى أيضاً أنّ الأخلاق الفرديّة لها وزنها، و وضعها الخاص بها, ولا شكَّ أنّ هذا التّقسيم، لا يقلّل من قيمة المسائل الأخلاقيّة، ولكنّه يُقسّم المباحث الأخلاقيّة إلى درجاتٍ من حيث الأهميّة، وما أشرنا إليه آنفاً، يكفي للإحاطة بمعرفةٍ إجماليّةٍ حول هذا الموضوع, سواء كانت فردية أو اجتماعية, ولا يمكن انكار أنّ الأخلاق الفردية، لها تأثيرها غير المباشر في القضايا الاجتماعية أيضاً. و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آل محمد و سلم تسليما.
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب / عبد الجليل البصري