عنوان المقال/ دور الأخلاق في الحياة و الحضارة الإنسانية
عنوان المقال/ دور الأخلاق في الحياة و الحضارة الإنسانية مقالات

عنوان المقال/ دور الأخلاق في الحياة و الحضارة الإنسانية

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي دل على قدرته، وأبان عن حكمته، باختلاف ما خلق من الصور، وتباين ما أنشأن من الفطر، من ملكٍ وإنسان وبهيمةٍ، وجان وطائر، يمسح صفحات التراب، ويأخذ بإهاب السحاب، وحنش ينطوي على أدراجه، ويستوي مرة في اعوجاجه، إلى غير ذلك من خلقٍ مختلفة، وأجرام متباينة، حقيرها جليلٌ، وصغيرها كبيرٌ، وجعل منافعها متاعاً للإنسان الذي كرمه تكريماً، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً، وصلى الله على سيدنا محمد و آله وسلم تسليماً.
أما بعد: . . .
تأملات أخلاقية/ دور الأخلاق في الحياة و الحضارة الإنسانية: ـــ
قال تعالى: { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ }
*البيان الأخلاقي لشرح هذه الآية الكريمة:
المبحث الأخلاقي لهذه الآية هو أن دفع السيئة بالحسنة يحول العداوة إلى مودة، حيث تأمر الآية بالإحسان إلى المسيء instead of المقابلة بالمثل. فالحسنة لا تتساوى مع السيئة، ويجب أن يقابل المسلم الإساءة بالعفو والصبر والمودة، فتتحول العداوة إلى صداقة قوية كأن العدو أصبح قريباً حميماً.
*تفصيل المبحث الأخلاقي
-المساواة في الأفعال: إن مبدأ العدل لا يعني تساوي الحسنة مع السيئة في الذات أو في الأثر؛ فالإحسان فضيلة عظيمة أما الإساءة فذميمة.
مبدأ دفع السيئة بالحسنة: بدلاً من مقابلة الإساءة بإساءة مماثلة، يوجهنا الله إلى مقابلة السيئة بالإحسان، كالصبر عند الغضب، والعفو عند الإساءة، والحلم عند الجهالة، والصلة بالهجر.
-تحويل العداوة إلى مودة: إذا استجاب الإنسان لهذا التوجيه الرباني، فإن النتيجة ستكون مذهلة. فالمسيء الذي كان عدواً، سيتحول إلى صديق حميم ومقرب، وذلك بسبب معاملة الإحسان التي لقيها.
-تطبيق عملي: يطبق هذا المبدأ في التعاملات اليومية؛ فإذا أخطأ أحد في حقك، فاعتذر له، وإذا أساء إليك أحد، فأحسن إليه. فمن شأن النفوس الكريمة أن تحب من أحسن إليها.
-أهمية الصبر: تتطلب هذه المعاملة صفة الصبر، ولذلك ورد في تفسيرها أن من لا يلقاها إلا الصابرون وذو الحظ العظيم.
فالآية الكريمة "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"
تُعدّ هذه الآية من سورة فصِّلت قاعدة أخلاقية ربانية في التعامل مع الآخرين، وتحديدًا عند مواجهة الإساءة والعداء. وتتمثل أبعادها الأخلاقية في النقاط التالية:
1. الموازنة بين الخير والشر
-الحسنة والسيئة غير متساويتين: تبدأ الآية بتأكيد أن الحسنة والسيئة لا يمكن أن تكونا متكافئتين، لا في ذاتيهما ولا في نتائجهما. فالحسنة تحمل الخير والجمال في طبعها وتنتج آثارًا طيبة، بينما السيئة قبيحة ومفسدة.
-دعوة للارتقاء الأخلاقي: تؤسس هذه المقارنة لمبدأ أخلاقي سامٍ، وهو أن المؤمن لا ينبغي أن يعامل المسيء بالمثل. فالانتقام والمعاملة بالمثل تجعل الشخص في منزلة خصمه، بينما مقابلة السيئة بالحسنة ترفع من قدره.
2. الأمر بدفع السيئة بالأحسن
-الخيار الأمثل: تُعدّ جملة "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" هي جوهر الآية، وتدعو إلى اختيار أفضل الأساليب لمواجهة الإساءة.
نماذج من "التي هي أحسن": وفقًا للصحابي عبد الله بن عباس، يتجسّد "الدفع بالأحسن" في هذه المواقف:
>العفو عند الإساءة: بدلًا من الانتقام.
>الصبر عند الغضب: بدلًا من الانفعال.
>الحلم عند الجهل: بدلًا من الرد على السفاهة.
>الصلة عند القطيعة: بدلًا من مقابلة المقاطعة بالمثل.
3. النتيجة الإيجابية للخلق الحسن
-تحويل العدو إلى صديق: تَعِد الآية بنتيجة مذهلة لهذا السلوك الأخلاقي، وهي تحويل العداوة إلى صداقة حميمة. فمن طبيعة النفوس الكريمة أنها تحب من أحسن إليها وعفا عنها، وتقدر من قابل شرها بالخير.
-أثر في النفوس الكريمة: تشير الآية إلى أن هذا الأسلوب يؤثر في النفوس الطيبة التي قد تقع في الإساءة، فيجعلها تتراجع عن عداوتها وتلين تجاه من أحسن إليها.
4. الحظ العظيم والصبر
-منزلة الصابرين: في تتمة الآية (وهي آية 35 من نفس السورة)، يصف الله تعالى من يفعل ذلك بأنه "ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ". وهذا الحظ العظيم هو منزلة سامية في الأخلاق لا يبلغها إلا من جاهد نفسه وكظم غيظه.
-مواجهة الشيطان: تحذّر الآية التالية من أن الشيطان سيحاول تثبيط هذه الهمة الأخلاقية، وتأمر بالاستعاذة بالله عند وسوسة الشيطان، مما يؤكد أن هذا الخلق العظيم يحتاج إلى مجاهدة وإخلاص. من هنا نستوحي مما تقدم أن الخُلق السامي الإنساني لا يقتصر تأثيره على السلوك المعنوي الأُخروي للإنسان فحسب, بل له الأثر الكبير في حياته المادية الدنيوية و عليه أن لا نتصور بأن المسائل الأخلاقية منحصرة بالفرد وحدهُ دون المجتمع ليحيى الإنسان على حساب الحياة الاجتماعية فالعكس هو الصحيح لأن الأخلاق لها علاقة قوية و وطيدة في بناء التكامل الإنساني في المجتمعات البشرية . و أخيراً أذكر نصيحة لقمان الحكيم لابنه و هي: { إياك و الضجر و سوء الخُلق و قلة الصبر فلا يستقيم على هذه الخصال صاحب }
*خلاصة
المبحث الأخلاقي في هذه الآية يكمن في إرساء مبدأ "فوقية الأخلاق"، أي أن السلوك الأخلاقي للمؤمن يجب أن يكون أعلى من مستوى الإساءة التي يتلقاها. وهي ليست مجرد دعوة للعفو، بل استراتيجية فعالة لتحويل العداوة إلى محبة، وتعتبر من أعظم الفضائل التي ترفع من شأن الإنسان في الدنيا والآخرة.
و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على مَن أتم مكارم الأخلاق محمد و آلهِ الطاهرين و صحبه المنتجبين
     المستشار الإعلامي في العلوم الدينينة
                   الـشـيــــــخ
               عبد الجليل البصري