مأساة الزهراء ( عليها السلام )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و صلى على رسوله المصطفى و الميامين من آله و سلم تسليماً و العنة الدائمة المؤبدة على ظالميهم و غاصبيهم الى قيام يوم الدين.
السلام على فاطمة وأبيها و بعلها و بنيها والسر المستودع فيها
جاء الدين الإسلامي الحنيف ليمثل عصارة الأديان السماوية المتعددة وخلال الفترات المتعاقبة حيث قدم النظام الأشمل والأكمل للحياة وعلى كافة المستويات سواء الإجتماعية أو الإقتصادية أو السياسية وهذا ما نراه واضحاً جلياً في أدنى تأمل للنظرية الإسلامية المتمثلة في طرفي العقيدة والشريعة ، وكان من جملة ما أكدت عليه الرسالة السماوية المتمثلة في بعثة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)هو حرمة الظلم ومعاونة الظالمين ذلك ان الله تبارك وتعالى قد حرم على نفسه الظلم وكما ورد في الحديث القدسي : (يا عبادي اني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ) .
فالإسلام دين المساواة والعدل ولا يرضى بالظلم والبغي ، حيث أنزل الله تعالى في كتابه الكريم الكثير من الآيات القرآنية المباركة التي تدل دلالة قطعية واضحة البراهان على ضرورة العدل بين الرعية وعدم البغاء والظلم فيما بينهم ، حيث اعتبرت هذه الضرورة من الواجبات المهمة على كافة الأصعدة والمجالات الحياتية ، فنرى من خلال الضرورة من الواجبات المهمة على كافة الأصعدة المجالات الحياتية ، فنرى من خلال مراجعة الأحكام الشرعية التي أقرتها الشريعة الإسلامية أن الكثير منها قد لوحظ فيه عدم الظلم للآخرين والتعدي على حقوقهم ، كل هذه التأكيد لكي تسير الإنسانية في الطريق الذي ارتضاء الله تبارك وتعالى لها ولكي تصل إلى شاطيء الأمان والكمال وضمن الأهداف المحددة من خلال الرسالة المحمدية السمحاء . ونجد من خلال استقراء القرآن الكريم أن أكثر الآيات القرآنية الواردة في المقام قد تكون صريحة في تحريم الظلم سواء كان ذلك بذكر لفظة الظلم بصورة مباشرة أو عن طريق ذكر نقيضه الذي هو العدل وكما سيتبين من خلال مطالعة الآيات القرآنية التالية : * حيث جاء قوله تعالى ( ان الله لا يظلم مثقال ذرة ) ليؤكد على حقيقة اختصت لها الشيعة مع بعض الفرق الدينية الأخرى ألا وهي مسألة العدل حيث أقرت الشيعة بأن من أصول الدين هو العدل وهو أن الله ليس بظالم ولا يظلم أحداً فهو العدل لهذا نجد في هذه الآية القرآنية أن الله قد حرم على نفسه الظلم فلا يظلم عباده بل هو المفيض عليهم رحمته الربانية ونعمته الالهية .
* وجاء قوله تعالى ) ما للظالمين من نصير ) ليؤكد على مسألة أخرى بحيث انها من الأهمية قد ذكرها الله تعالى ليذكر بها البشرية بأن الظالمين ليس لهم نصير ولا تنصرهم السماء وبنفس الوقت قد أكد الله في آية أخرى وطلب من المؤمنين بأن لا ينصروا الظالمين باي شكل من الأشكال ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) .
وهكذا جاءت الكثير من الآيات القرآنية الكريمة حاملة بين طياتها التأكيد على هذا الأمر المهم والضروري لتكامل البشرية . وقد يرد وينقدح سؤال مهم في ذهن كل إنسان واعي وفاهم للأمور الإسلامية أنه إذا كان هذا الحال في حرمة الظلم وعدم معونة الظالمين فما المفهوم من الظلم وأي ضابطة نرجع اليها في معرفة الظلم وتعريفه معناه ؟ فنقول ان الظلم من الأمور التي يدرك الذهن ويفهمها بأدنى تأمل ذلك أنه من الأمور الفطرية والعقلية هو قبح الظلم وأنه يأباه العقل والناس جميعاً مشتركين في هذه المسألة أعني قبح الظلم ، ومع ذلك كله نعطي بعض التعاريف للظلم لكي لا يرد أي استيضاح حوله في حالة عدم فهم معناه .
* الظلم لغة : أما لغة فقد جاء في لسان العرب : الظلم وضع الشيء في غير موضعه . وأصل الظلم الجور ومجاوزة الحد ، ويقال ظلمه يظلمه ظلماً ومظلمة ، فالظلم مصدر حقيقي وهو ظالم وظلوم والظلمة هم المانعون أهل الحقوق حقوقهم ، والظلامة ما تظلمه وهي المظلمة . وتظالم القوم : ظلم بعضهم بعضاً وفي المفردات للراغب الاصفهاني : والظلم عند أهل اللغة وكثيرون أهل العلم : وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة وإما بعدول عن وقته أو مكانه .
وقال الفيروز آبادي والظلم يقال في مجاوزة الحق ويقال في الكثير والقليل .
أما عرفاً : فالظلم معناه بخس النسا أشياءهم وحقوقهم والاعتداء على الغير باي صورة كانت سواء قولاً أو عملاً .
وأما شرعاً : الظلم وضع الشيء في غير موضعه الشرعي والظلم أصله الجور ومجاوزة الحد ومعناه الشرعي وضع الشيء في غير موضعه الشرعي وهكذا يتبين لمن يقصد السؤال في معرفة الظلم ويدقق في مقولات علماء اللغة وغيرهم من أهل الشرع واللغة وأهل المعرفة في هذا المقام ، ولنعم ما قال الحكيم أرسطو في هذا المقام حيث أطلق هذه الكلمات ليعبر عن طبيعة الفطرة الإنسانية في هذه المسألة ( الظلم من طبع النفوس ، وانما يصدها عن ذلك إحدى علتين : إما علة دينية لخوف معاد أو علة سياسية لخوف سيف ) . فيكون مقال القائل أن النفوس لا تظهر هذا الظلم للعلتين المتقدمتين ، ولكن نقول إذا فقدتا هاتين العلتين فماذا سيكون الحال ، قطعاً عند ذلك يسقط الواعز النفسي للإنسان فيكون من أعتى الظالمين .
و تمر علينا في هذا و الشهر و الأشهر القادمة روايات عن شهادة السيدة الزهراء ( سلام الله عليها ) و المتعارف عليه اليوم ثلاث روايات مع أنها قد تزيد على العشرة حسب تاريخ اليعقوبي ولكن اليوم اهتم الشيعة الموالون لأهل البيت ( عليهم السلام ) على ثلاث روايات و هي الأربعينية و السبعينية و التسعينية و الكثير من أصحابنا يتحدثون معي عن بعض كتاباتي و يقولون لا... تدعُ الى الفرقة و لا... تكون كتاباتك تميل للطائفية أو المساس ببعض الاشخاص ولا... تذكر صحابة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم ) بسوء ولا... ولا... الخ.
و انا أتساءل اذا اردت أن أكتب عن حياة السيدة الزهراء (عليها السلام ) و ذكرى و فاتها فماذا أقول؟! ؟! ؟!
إمرأة عمرها ثمانية عشر عاماً كيف ماتت؟ و كيف سقط الجنين من أحشائها هل أقول ماتت بالقصف على غزة مثلاً؟ أو أقول قتلت عندما ضربت المسيرات الاسرائيلية لبنان أو اليمن؟ أو ربما ماتت بمرض من الأمراض المنتشرة هذه الأيام و المستعصية؟ لقد تركت كل هذه التكهنات و فتحت نافذة على تاريخ ما بعد الرسول محمد ( صلى الله عليه و آله و سلم ) لعلي أجد ضالتي و ما ينو إليه القارئ اللبيب,
بداية :
أود قبل أن ابدأ حديثي الواضح والصريح : أن ألفت نظر
كل الأخوة القراء إلى ما يلي :
إنني آمل أن يقرأوا ما أقدمه لهم قراءة متأنية وناقدة ، من
دون أن تكون ثمة خليفة تحملهم على أن يحكموا - سلفا – عليِّ كما وأطلب منهم أن لا يتهيبوا صاحب أية فكرة تطرح عليهم إلى درجة تحجبهم عن محاكمة الفكرة نفسها . وأن يكونوا
منصفين وواعين . فليس ثمة ما يفرض عليهم ، أن يأخذوا جميع ما يقرؤونه
أخذ المسلمات ، وإن كان الكاتب يحب ذلك . .
كما لا ينبغي لهم أن يرفضوا كل ما يقرؤونه أو يسمعونه
من منطلق العصبية لهذا أو الحد ضدة ذلك ، بل المطلوب : أنه إذا
كان ثمة صواب أو خطأ فليأخذوا هذا الصواب ، وليدعوا الخطأ ،
عملا بقوله تعالى : * ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه )
* مأساة الزهراء ( ع ) :
والهدف من اختيار مأساة الزهراء ( ع ) لتكون الموضوع
الذي نعالجه في هذا المقال هو لكثيرة تصدينا لإحقاق
الحق فيما يمس قضايا الدين والمذهب أمران ، وهما :
*الأول :
هو أن هذه المفردة " مأساة الزهراء ( ع ) " قد أصبحت بحاجة
إلى توضيح وبيان من أجل إزالة ما ربما يكون قد علق في
أذهان بعض الناس نتيجة للتشكيكات ! ! أو التساؤلات المنهجية ! !
أو العلمية ! ! - على حد تعبير البعض - التي طرحت عليهم
كرات ومرات ، في عشرات المواقف الإذاعية ، والمكتوبة ،
والعديد من المقابلات والمراسلات والمراجعات في ردح من
الزمن طويل .
*الثاني :
إن قضية الزهراء ( ع ) - وبسبب ظروف معينة - قد تجاوزت
طابعها العلمي الخاص ، لتصبح عنوانا يشير إلى منهج عام
يتعدى مجال التاريخ ، إلى نواح أخرى في مجال الإهتمامات
الإسلامية ، كشؤون العقيدة ، وعلم الكلام ، وعلم الأصول ،
والحديث والفقه والتفسير ، وحتى اللغة ، بالإضافة إلى أمور كثيرة
أخرى إيمانية وغيرها .
لذلك أردنا أن تكون معالجتنا لهذا الموضوع مشاركة في
إنجاز الواجب الذي يشعر به كل مسلم مؤمن ، لا يجد مبررا لأن
يقف موقف اللامبالاة ، حيال محاولات التعرض لهذا الدين في
عقائده وأحكامه ، وفي رسومه وأعلامه ، لا على قاعدة " التمسك بالموروث المقدس " ، باعتباره دين الآباء والأجداد ، كما يحاول البعض أن يتهمنا ، ويتهم كل أتباع مذهب أهل البيت وعلماء
الشيعة الأبرار. فإن البعض قد صور للناس : " أن القضية الأساس التي
تهمنا ، - بل لا قضية تهمنا على الإطلاق - سوى قضية
الزهراء ( ع ) وأنه ليس ثمة ما يثير اهتمامنا سوى حديث
البعض : عن قضية كسر الضلع ، وإثارته بطريقة سلبية " .
وذلك في محاولة منهم للتمويه على الناس ، وإبعادهم عن
حقائق الأمور .
وقد ساعدهم على ذلك أننا التزمنا من طرفنا - عمليا -
بعدم الابتداء بإثارة تلك القضايا ، فأغراهم ذلك منا ، وكانت
هجماتهم الشرسة التي زادتنا - يوما بعد يوم - معرفة بحقيقة
نواياهم ، وبمدى إصرارهم على ما يقومون به . ولعل من حق القارئ علينا أن لا نطيل انتظاره حين
يصبح من الضروري تقديم مجموعة ( عينة ) من تلك الأقاويل ،
لتكون دليل وفاء بالوعد ، وإشارة إلى أننا باقون مع هذا الإسلام
العزيز على العهد . فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله .
أما فيما يرتبط بالاستقصاء لكل ما صدر عن البعض من
أقاويل مكتوبة أو مسجلة . فذلك خارج فعلا عن حدود الوسع
والطاقة لأنه يحتاج إلى عمر لنا جديد ومديد . على أننا لا نرى
ضرورة لذلك ، فإن القليل قد يعطي صورة أو يغني عن الكثير
الذي جاء تعبيرا صريحا عن المشروع الكبير الذي يعمل له هذا
البعض ، والرامي إلى استبدال القديم الأصيل والثابت بالبرهان
القاطع من تراثنا وعقائدنا المتوارثة ( على حد تعبيره ) ، بما
يعتبره جديدا وفريدا . . ودون أن ينتصر لهذا الجديد بدليل علمي
يثبت أمام النقد . ولذلك تراه يطعم أدلته أو يطورها ، باتجاه ما يدعيه حسب
الظروف ، في إصرار ظاهر منه على مدعاه ، الذي لم يزل
عاجزا عن الاستدلال العلمي الصحيح عليه ، الأمر الذي يوحي
بأنها أفكار جاهزة يبحث لها عن دليل يستنسبه لها ، ربما لأنه يعتبرها جزءا من مشروعه التجديدي الذي انبهر به كثيرون ، والذي يرمي إلى تصحيح الأخطاء التي يجدها - كما يقول -
في عقائدنا المتوارثة ، على قاعدة صدم الواقع - على حد تعبيره
أيضا . في مناسبات كثيرة .
وبعد . . فقد حان الوقت لعرض طائفة من النصوص التي حفلت
بها الكتب التاريخية والحديثية . والتي تضمنت الكثير مما يدل على
مهاجمة بيت الزهراء ، وهتك حرمتها ، حيث تناولتها أيدي المهاجمين
بالضرب والأذى . .
والظاهر : أن ذلك قد تكرر منهم ، بتكرر مهاجماتهم لأهل بيت
النبوة ، فنتج عن ذلك كله إسقاط جنينها ، وفوزها بدرجة الشهادة .
وأجد أنني في غنى عن التأكيد على النقاط التالية :
1 - إن هذه القضية لا يمكن استيفاء التقصي فيها ، فلا بد من
الاقتصار على ما لا يرتاب فيه المنصف . . وإلا ، فإن المؤلفات كثيرة تعد
بالألوف ، ولا يسعنا استقصاؤها جميعا .
2 - إنه حتى أولئك الذين تصدوا لتنقية التراث من شوائب
يرون أنها قد علقت به لم يعتبروا هذا الحدث واحدا منها ، فها هو
العلامة المتبحر السيد محسن الأمين مثلا ، الذي تصدى لتهذيب
مجالس العزاء ، بالاعتماد على المصادر الموثوقة على حد تعبيره - وقد
ذكر منها : كتاب سليم بن قيس - قد ذكر هذه الأحداث ، وقررها ،
ونظم فيها الأشعار . فاستمع إليه حيث يقول :
" ولما ألفنا المجالس السنية هذبناها والحمد لله من جميع ذلك ،وميزنا القشر من اللباب ، والخطأ من الصواب.
لما ألفنا لواعج الأشجان صارت قراءة المقتل فيه . وصارت قراءة الذاكرين في المجالس السنية ، فخلصت الأحاديث ، وصفت من تلك العيوب لكن ما جرى على السيدة الزهراء ( عليها السلام ) موجود في معظم بطون الكتب الموافقة للمواصفات التي شرطها على نفسه لجمع هذه المجالس
وتهذيبها . وهذا يعني : أنه يرتضي ذلك ، ولا يعتبره موضع نقاش.
أكتفِ بهذا القدر و لعل الله سبحانه و تعالى يوفقني لنشر المزيد من مأساة الزهراء (عليها السلام ) في قابل الأيام
و الحمد لله رب العالمين
المستشار الاعلامي في العلوم الدينية
الشيخ
عبد الجليل البصري