ما هو التأثير السلبي لمواقع التواصل الاجتماعي على كثرت الرسوب عند بعض الشباب؟
أعوذُ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على إحسانه و له الشكر على توفيقه و امتنانه
و الصلاة و السلام على سيدنا محمد سيد البشر و على آله المصابيح الدرر ما اتصلت عين بنظر ووعت اذن بخبر و صحبه المنتجبين الغرر و مَنْ تبعهم بإحسانٍ ليفوز يوم الحشر و النشر .
أمــا بعد...
ما هو التأثير السلبي لمواقع التواصل الاجتماعي على كثرت الرسوب عند بعض الشباب؟
تشريف المقال بآيات من القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم
{ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ *عَلَّمَهُ الْبَيَانَ }
المقدمة
تُعتبر مواقع التواصل الاجتماعي سلاحًا ذو حدين، فعلى الرغم من فوائدها، إلا أن استخدامها المفرط قد يؤدي إلى تشتيت الشباب عن واجباتهم الدراسية، وزيادة معدلات الرسوب لديهم بسبب الإدمان، وانخفاض التركيز، وتأثيرها السلبي على الصحة النفسية والاجتماعية. ولكننا اليوم نرى بأن وسائل التواصل الاجتماعي تُشكل جزءًا لا يتجزأ من حياة الشباب في العصر الرقمي، حيث تتيح لهم التواصل والترفيه والتفاعل مع العالم. لكن، وراء بريقها اللامع، تكمن مخاطر حقيقية قد تهدد مسيرة الشباب الدراسية. فهل يمكن لهذا الاستخدام المكثف أن يكون سببًا مباشرًا وراء ارتفاع نسب الرسوب بين الشباب؟ هذا السؤال يتطلب منا الغوص في عمق العلاقة بين قضاء الشباب لساعات طويلة على هذه المنصات، والتأثير السلبي لذلك على أدائهم الأكاديمي. هذه مقدمة بسيطة لتعريف بمواقع التواصل الاجتماعي و ما لها من التأثير على مسيرة الشباب الدراسية. و بعد هذه المقدمة لنقف على البحث الموضوعي و الأخلاقي لما تصدر البحث من آيات التنزيل .
- تتعلق الآيات بالمنهج الأخلاقي الذي يرتكز على الإيمان بالله كخالق ومعلم، وتدعو إلى شكر هذه النعم. ويبرز فيها: الرحمة الإلهية المتمثلة في تعليم القرآن، وهي حياة الروح. خلق الإنسان على أكمل صورة ليكون خليفة في الأرض. وتعليمه البيان، أي النطق والفهم، وهو ما يميزه عن باقي المخلوقات ويجعله مؤهلاً لتلقي الأوامر الإلهية. إنها دعوة لاستخدام البيان في الخير وعدم جعله نقمة.
* المبادئ الأخلاقية المستفادة من الآيات:
-الاعتراف بالخالق و الشكر في النعم: الآيات تذكر نعم الله وتكرر السؤال "فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ؟" (سورة الرحمن: الآية 13) للدعوة إلى الشكر والامتنان على نعمه. القرآن بوصفه نبراس الروح: تُمثل نعمة القرآن حياة الروح، وهي أعظم من نعمة حياة الجسد. الإنسان المكرم: خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وميزه بالعقل والبيان ليتحمل الأمانة ويُصبح خليفة في الأرض. الاستخدام المسؤول للبيان: الآيات تحث على استخدام نعمة البيان في الخير، محذرة من جعلها وسيلة للضرر. التركيز على الجوانب الروحية: يبدأ الذكر بنعمة القرآن قبل ذكر نعمة خلق الإنسان، للتأكيد على أن حياة الروح هي الأهم. تشير الآيات الأولى من سورة الرحمن إلى أسس أخلاقية متينة تبنى عليها حياة الإنسان، وهي:
-نعمة الرحمة: تبدأ السورة باسم "الرحمن"، الذي يدل على رحمة الله الواسعة والشاملة لجميع خلقه. هذه الرحمة هي أصل كل النعم، وأعظمها أن الله منح الإنسان القدرة على تلقي الإرشاد والبيان.
-نعمة العلم: يربط الله بين صفته "الرحمن" وتعليم القرآن مباشرة قبل خلق الإنسان، للدلالة على أن العلم هو أعظم منة إلهية على البشرية. هذا التقديم يشير إلى أن الهدف الأساسي من خلق الإنسان هو المعرفة بالله ووحيه، مما يؤكد أن طلب العلم فريضة أخلاقية.
-نعمة البيان: بعد خلق الإنسان، تأتي نعمة البيان (القدرة على التعبير والتواصل)، وهي ميزة أخلاقية تميزه عن سائر الكائنات. تشمل هذه النعمة النطق السليم، والتفكير، والتعبير عن المشاعر، وفهم الأمور.
-الترابط بين النعم الثلاث: يوضح ترتيب الآيات أن الرحمة الإلهية هي التي منحت الإنسان الوجود (الخلق)، وزودته بالعلم (القرآن)، ومكّنته من التعبير عنه (البيان). هذا الترابط يضع الإنسان في موضع المسؤولية الأخلاقية لاستخدام نعمة العلم والبيان في الخير والحق.
التأملات الأخلاقية المستمدة من الآيات:
-أخلاق الامتنان: تدعو الآيات الإنسان إلى التقدير العميق للنعم الثلاث: الرحمة، والعلم، والبيان. هذا الامتنان يجب أن يتجلى في الطاعة والشكر، وليس في الكفر والجحود.
-أخلاق المسؤولية: إن منح الإنسان نعمة البيان يفرض عليه مسؤولية أخلاقية في كيفية استخدامها. يجب عليه أن يستخدمها في نشر الخير، وقول الحق، والدعوة إلى الله، وتجنب استخدامها في الكذب، أو الفتنة، أو إيذاء الآخرين.
-أخلاق طلب العلم: يؤكد تقديم تعليم القرآن على خلق الإنسان على أن العلم الحقيقي ليس مجرد معلومات، بل هو هداية ونور. والأخلاق تقتضي من الإنسان أن يكون طالبًا للعلم، وأن يسعى لفهم الرسالة الإلهية، وأن يطبقها في حياته.
-أخلاق التواصل: البيان هو وسيلة التواصل الأساسية بين البشر. والأخلاق الإسلامية تحث على استخدام هذه النعمة في التواصل الهادف، والحوار البنّاء، وحسن المعاملة، وتجنب الجدال العقيم والخصومة.
-أخلاق التواضع: تذكر هذه الآيات الإنسان بأصله المخلوق، وضرورة التواضع أمام عظمة الخالق الذي خلقه، وعلمه، وأنعم عليه. فمهما بلغ الإنسان من علم أو بيان، يبقى محتاجًا إلى رحمة ربه. و الآن بعد أن استمعنا للدلائل الأخلاقية من المستنتجة من هذه الآيات نعود الى صلب الموضوع .
*العلاقة بين مواقع التواصل الاجتماعي والرسوب
تأثير التشتيت والإلهاء: تشتت مواقع التواصل الاجتماعي انتباه الشباب عن واجباتهم الدراسية من خلال الإشعارات المستمرة والمحتوى المتجدد الذي يجذبهم باستمرار.
1-انخفاض التركيز والإنتاجية: يؤثر الإدمان على مواقع التواصل الاجتماعي سلبًا على قدرة الشباب على التركيز لفترات طويلة، مما يقلل من إنتاجيتهم في المذاكرة.
2-مشاكل في النوم: يؤدي قضاء وقت طويل على هذه المنصات إلى اضطرابات في أنماط النوم، مما يؤثر على مستوى الوعي واليقظة خلال ساعات الدراسة.
ضعف الأداء الأكاديمي: يؤدي تداخل الأنشطة غير الدراسية مع الحياة الأكاديمية إلى انخفاض الأداء العام للشباب في الدراسة، وقد ينعكس ذلك على درجاتهم ورسوبهم.
3-عزلة اجتماعية: قد تؤدي كثرة التفاعل الافتراضي إلى العزلة عن الأصدقاء والأسرة في العالم الواقعي، مما قد يؤثر على الدعم الاجتماعي المطلوب للطالب خلال فترة الدراسة.
4-آثار نفسية: قد يؤدي المقارنة المستمرة بالآخرين، والشعور بالضغط، إلى الاكتئاب والقلق لدى الشباب، مما يؤثر على صحتهم النفسية وقدرتهم على التركيز في الدراسة.
5-إهدار الوقت: ينعكس التصفح المفرط على مواقع التواصل الاجتماعي على قضاء وقت أقل في الأنشطة المفيدة مثل المذاكرة والواجبات المدرسية، مما يؤدي إلى تدهور مستواهم الدراسي.
* تأثيرات مواقع التواصل الاجتماعي السلبية على الجوانب الدينية:
تؤدي مواقع التواصل الاجتماعي إلى التأثير السلبي على الجوانب الدينية للشباب من خلال إضعاف الهوية الدينية، والتأثير على الشعائر الدينية كالصلاة، وتوفير بيئة خصبة للأفكار الهدامة والملتبسة، ونشر الشائعات، والتعرض لمحتوى غير لائق، مما يتنافى مع تعاليم الإسلام. و قد تؤثر مواقع التواصل الاجتماعي سلبًا على ممارسة الشعائر الدينية عند بعض الشباب لعدة أسباب، أبرزها
1.إضعاف الهوية الدينية: يساهم عرض الأفكار والمعتقدات المتنوعة والمتناقضة في إحداث الارتباك والشك لدى الشباب فيما يتعلق بعقائدهم ومفاهيمهم الدينية.
2.التأثير على العبادات: قد تؤدي مواقع التواصل الاجتماعي إلى تأخير الشعائر الدينية مثل الصلاة، أو إهمالها، مما يضعف من علاقة الشباب بربهم.
3.التباس الأفكار: يساهم التعرض المستمر للأفكار والمعتقدات المختلفة في خلق حالة من البلبلة الفكرية والانشقاق، حتى في الآراء الدينية والثقافية.
4.نشر الأفكار الهدامة: تعتبر مواقع التواصل منصة لترويج الأفكار والمعتقدات التي قد تكون هدامة أو مضللة، والتي تتعارض مع القيم الإسلامية.
5.المحتوى غير الملائم: قد يتعرض الشباب لمحتوى يتضمن الكذب، والشائعات، والقذف، والسب، والشتائم، والسخرية، والجدال المذموم، وكلها أمور تتنافى مع أخلاق المسلم.
6.إهدار الوقت: يؤدي الاستخدام المفرط لمواقع التواصل إلى إهدار الوقت الذي يمكن استغلاله في أمور أكثر أهمية، كالتفكر أو العبادة أو طلب العلم. فيؤدي الإفراط في استخدام مواقع التواصل إلى قضاء الشباب ساعات طويلة أمام الشاشات، مما يلهيهم عن أداء صلواتهم في وقتها أو قراءة القرآن، وغيرها من العبادات
7.قلة التركيز: تؤدي التنبيهات المستمرة والإشعارات من التطبيقات المختلفة إلى تشتيت الذهن والتقليل من الخشوع والتدبر أثناء الصلاة والذكر.
*السطحية والاستعراض:
8.العبادة لغير الله: قد ينخرط بعض الشباب في ممارسات دينية هدفها الاستعراض وجذب المتابعين، مثل نشر صورهم في الحرمين الشريفين أو أثناء الصلاة، بدلاً من أن يكون دافعها خالصًا لله تعالى.
9.المقارنة السلبية: تؤدي رؤية منشورات الآخرين عن حياتهم الدينية "المثالية" إلى شعور البعض بالنقص أو الرياء، مما يقلل من صدق العبادة.
*التأثير على القيم والمعتقدات:
10.المحتوى المضلل: يمكن أن يتعرض الشباب عبر هذه المنصات لأفكار مغلوطة أو معلومات دينية غير صحيحة، مما يؤثر على فهمهم للدين ويضعف من التزامهم.
11.التحريض على الفسق: يتعرض الشباب في مواقع التواصل الاجتماعي لمحتوى لا يتوافق مع القيم الإسلامية، مما قد يؤدي إلى انحرافهم عن الطريق الصحيح.
*الانعزال والوحدة:
12.تغييب الأجواء الروحانية: تؤدي العزلة التي تفرضها مواقع التواصل إلى ابتعاد الشباب عن الأجواء الروحانية للمجتمع، مثل ارتياد المساجد والمشاركة في مجالس العلم والذكر، مما يؤثر سلبًا على إيمانهم.
13.العلاقات السطحية: يميل الشباب إلى إقامة علاقات سطحية وافتراضية عبر الإنترنت، مما يضعف من حاجتهم إلى التواصل الإنساني الحقيقي، ويؤثر على مشاركتهم في المجتمع.
ملاحظة: لا يمكن إلقاء اللوم بالكامل على مواقع التواصل الاجتماعي، بل يعتمد التأثير بشكل كبير على وعي الشباب وكيفية استخدامهم لهذه المنصات. و يبقى الأهم هو متابعة الآباء و لأمهات الى ألادهم من الذكور و الإناث. و خاصة اذا كان في عمر المرهقة . و البلوغ المبكر. للّهم ارْزُقْنا تَوْفيقَ الطَّاعَةِ، وَبُعْدَ الْمَعْصِيَةِ، وَصِدْقَ النِّيَّةِ، وَعِرْفانَ الْحُرْمَةِ، وَأَكْرِمْنا بِالْهُدى وَ الْإِسْتِقامَةِ، وَسَدِّدْ أَلْسِنَتَنا بِالصَّوابِ وَالْحِكْمَةِ، وَامْلَأْ قُلُوبَنا بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَطَهِّرْ بُطُونَنا مِنَ الْحَرامِ وَالشُّبْهَةِ، وَ اكْفُفْ أَيْدِيَنا عَنِ الظُّلْمِ وَالسِّرْقَةِ، وَاغْضُضْ أَبْصارَنا عَنِ الْفُجُورِ وَالْخِيانَةِ، وَاسْدُدْ أَسْماعَنا عَنِ اللَّغْوِ وَالْغِيْبَةِ. وَتَفَضَّلْ عَلى عُلَمائِنا بِالزُّهْدِ وَالنَّصيحَةِ، وَعَلَى الْمُتَعَلِّمينَ بِالْجُهْدِ وَالرَّغْبَةِ، وَعَلَى الْمُسْتَمِعينَ بِالْإِتِّباعِ وَالْمَوْعِظَةِ، وَعَلى مَرْضَى الْمُسْلِمينَ بِالشِّفاءِ وَالرَّاحَةِ، وَعَلى مَوْتاهُمْ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَعَلى مَشايِخِنا بِالْوَقارِ وَالسَّكينَةِ، وَعَلَى الشَّبابِ بِالْإِنابَةِ وَالتَّوْبَةِ، وَعَلَى النِّساءِ بِالْحَياءِ وَالْعِفَّةِ، بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ. و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على متمم مكارم الأخلاق محمد و على آله الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و على صحبه المنتجبين
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
المستشار الإعلامي في العلوم الدينية
الخطيب/ د. عبد الجليل البصري