عنوان المقال/ الإخلاص - القسم الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
لحمد لله الذي زين قلوب أوليائه بأنوار الوفاق، وسقى أسرار أحبائه شرابًا لذيذ المذاق، وألزم قلوب الخائفين الوجَل والإشفاق، فلا يعلم الإنسان في أي الدواوين كتب ولا في أيِّ الفريقين يساق، فإن سامح فبفضله، وإن عاقب فبعدلِه، ولا اعتراض على الملك الخلاق. و صلى الله على سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله و رسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، خاتم أنبيائه، وسيد أصفيائه، المخصوص بالمقام المحمود، في اليوم المشهود، الذي يجمع فيه الأنبياء تحت لوائه.
أما بعد . . .
تأملات أخلاقية / الإخلاص القسم الأول:
قال تعالى { قُلۡ أَمَرَ رَبِّی بِٱلۡقِسۡطِۖ وَ أَقِیمُوا۟ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَ ٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ }[الاعراف29]
*المبحث الأخلاقي للآية الكريمة:
تتضمن هذه الآية الكريمة من سورة (الأعراف) ثلاثة أسس أخلاقية في المنظور الإسلامي:
1. العدل (القسط):
يأتي الأمر بـ "القسط" كقاعدة أخلاقية جامعة تشمل العدل مع النفس، ومع الآخرين، وفي الأقوال والأفعال. هو الميزان الذي يحكم علاقة الإنسان بغيره، وهو المقصد الأساسي من إرسال الرسل.
2. الاستقامة والإخلاص في العبادة:
"أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ": تشير إلى التوجه التام لله، ليس فقط بالجسد بل بالقلب والنية، مما يعكس فضيلة "الاستقامة" وصدق التوجه.
"مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ": تؤكد على "الإخلاص" كأعلى مرتبة أخلاقية في التعامل مع الخالق، بتطهير العمل من الرياء أو الأغراض الدنيوية.
3. المسؤولية والجزاء (الوازع الأخلاقي):
ختام الآية "كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ" يرسخ مبدأ المعاد والمسؤولية الفردية. أخلاقياً، هذا التذكير بالبداية والنهاية يمثل "الوازع" الذي يدفع الإنسان للالتزام بالعدل والإخلاص، لعلمه بيقين الرجوع إلى الله للحساب. و المبحث الأخلاقي لهذه الآية الكريمة (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ...) يركز على العدل (القسط) كأساس، ويدعو إلى الإخلاص لله في العبادة في كل مكان (خاصة المساجد)، والإيمان بالبعث والحساب (كما بدأكم تعودون)، مما يربط بين الأخلاق العملية والعبادات القلبية، ويؤكد أن الغاية النهائية هي الرجوع إلى الله، محفزًا على الاستقامة والتقوى والمسؤولية عن الأعمال.
=أبعاد الأخلاق في الآية:
1.الأمر بالقسط (العدل):
.المعنى: العدل هو المبدأ الأساسي الذي أمر الله به، وهو أساس التعاملات الصحيحة بين الناس وداخل المجتمع.
.التطبيق الأخلاقي: يشمل العدل في الحكم، وفي المعاملات المالية، وفي المعاملات اليومية، وهو ما يتنافى مع الشرك والظلم.
-إقامة الوجه عند كل مسجد:
.المعنى: التوجه بالعبادة لله، خاصة في المساجد، والإخلاص فيه.
.التطبيق الأخلاقي: ربط العبادة الظاهرة (الصلاة في المسجد) بالنية القلبية الصادقة، وأن تكون العبادة لله وحده لا شريك له.
-الدعاء مخلصين له الدين:
.المعنى: أن تكون الطاعة والعبادة خالصة لله، من دون رياء أو شرك.
.التطبيق الأخلاقي: إفراد الله بالعبادة والتوجه إليه بالدعاء والطلب، وهو جوهر الإخلاص وتطهير الأعمال من الشوائب.
-كما بدأكم تعودون (البعث والجزاء):
.المعنى: التذكير بقدرة الله على إعادة الخلق كما بدأهم من العدم.
.التطبيق الأخلاقي: هذا هو المحفز الأكبر للعمل الصالح، فهو يربط السلوك الدنيوي بالمسؤولية الأخلاقية أمام الخالق، وأن كل عمل سيُحاسب عليه، مما يدفع إلى الاستقامة والتقوى.
=الخلاصة: الآية تجمع بين العدل الاجتماعي (القسط)، والطهارة الروحية (الإخلاص)، والمسؤولية الأخلاقية (تذكر المعاد). و الآية تقدم منظومة أخلاقية متكاملة: أساسها العدل الإلهي، وتتجلى في الإخلاص في العبادة لله وحده، وتختتم بتذكير بالحساب والجزاء، مما يجعل الإيمان بالآخرة دافعًا رئيسيًا للالتزام بالقيم الأخلاقية في الحياة. الى ينتهي القسم الأول من المبحث موضوع الإخلاص . و الحمدُ لله ربِ العالمين.
المستشار الإعلامي للعلوم الدينية
الخطيب/ د. عبد الجليل البصري